الأمن القومي لا يُدار بمنطق الرحلات العادية

حين يسافر القادة، لا ينبغي أن تسافر الدولة كلها في طائرة واحدة. هذه ليست جملة إنشائية، بل قاعدة راسخة في مدارس الأمن القومي التي تفهم أن الخطر الحقيقي لا يبدأ بعد الإقلاع، بل لحظة السماح بتكوينه قبل ذلك.

في الدول التي تُحسن حماية قياداتها، لا يُتعامل مع رئيس الأركان ومرافقيه كمسافرين عاديين، ولا يُنظر إلى الرحلة بوصفها إجراءً لوجستيًا. فوجود قرار سيادي وقيادة عسكرية في منصة واحدة يحوّل وسيلة النقل، أيًا كانت، إلى نقطة ضعف محتملة إن لم تُدار بمنطق تقليل البصمة وتوزيع المخاطر.

في العقيدة الأمنية المتقدمة، وعلى رأسها “العقيدة الإسرائيـ.لية”، لا تُقاس السلامة بحداثة الطائرة أو كفاءة الطاقم فقط، بل بكيفية إدارة المعلومات: من عرف التوقيت؟ من اطّلع على المسار؟ ومن سمح بتجميع القيادات في لحظة واحدة؟ فالصورة في عالم الأمن معلومة، والمعلومة تهديد.

كان يفترض أن تقلع الوفود بمنصات مختلفة، وفي توقيتات متباعدة، وبصمت معلوماتي كامل. فإدارة المخاطر تبدأ قبل الحركة، لا بعدها، وتقوم على كسر نمط التوقع قبل أن يكسره الآخرون.

وعندما تقع الصدمة، لا تُدار بالمشاعر ولا ببيانات متعجلة، بل بخلية أزمة صامتة تجمع العسكري والاستخباراتي والفني، بناطق واحد، ورواية منضبطة، بلا سباق تفسيرات ولا تعدد أصوات.

أما التحقيق، فلا يُختزل في مسار واحد. هو جهد مركب، تشارك فيه فرق الطيران المدني، والاستخبارات، وأمن القيادات، لأن كل جهة تطرح سؤالا مختلفا: من لمس الطائرة؟ من عرف التوقيت؟ من جمع القيادات؟ وأين كُسرت قاعدة تقليل البصمة؟

في الأمن القومي، ليست كل كارثة اغتيالا، لكن كل كارثة هي فشل في إدارة المخاطر إذا لم تُستخلص دروسها بصرامة. فالدول التي تحمي قادتها لا تنتظر نتائج التحقيق فقط، بل تغيّر القواعد قبل الرحلة التالية.

الباحث في شؤون الأمن القومي فيصل أبوالرايقة

Related posts

بعد رباعية القاهرة.. اليونان تبدي مخاوفها من التقارب المصري التركي وليبيا في واجهة الأحداث

بعد قرار حكومة حماد.. العفو الدولية تطالب بإلغاء قرار حظر دخول بعض مواطني دول إفريقية إلى ليبيا

واشنطن تستعد لاستقبال ممثلين عن حكومة الوحدة و”القيادة العامة” نهاية يونيو الجاري