في ملف الجرف القاري بين تونس وليبيا، أعتقد أن الحكمة تقتضي البحث عن حل عقلاني وعملي، لا عن انتصار قانوني لطرف على آخر.
صحيح أن لكل دولة حقها في الدفاع عن سيادتها ومجالها البحري، وصحيح أن القانون الدولي يبقى مرجعاً أساسياً في مثل هذه النزاعات. لكن الصحيح أيضاً أن تونس وليبيا ليستا دولتين بعيدتين أو متنافرتين، بل شعبان جاران تربطهما الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والمصالح المشتركة.
لذلك أرى أن الحل الأجدى لا يكون بالضرورة في إطالة النزاع أمام المحاكم الدولية، بل في التفاوض على صيغة عادلة للاستغلال المشترك للثروات المحتملة في المناطق محل الخلاف.
لقد طُرحت سابقاً فكرة اقتسام منتوج الجرف القاري بعد حكم المحكمة الدولية في عهد القذافي. وبغض النظر عن السياق السياسي لذلك الزمن، فإن الفكرة في جوهرها تستحق إعادة النظر اليوم بروح جديدة:
ترسيم واضح للحقوق، واستغلال مشترك للثروات، وتقاسم عادل للعائدات.
فبدل أن يتحول البحر إلى مجال نزاع، يمكن أن يتحول إلى مجال تعاون وتنمية.
ويمكن لهذا التوجه أن يأخذ شكل:
-منطقة تنمية مشتركة بين تونس وليبيا.
-شركة مشتركة للاستكشاف والاستغلال.
-تقاسم شفاف للعائدات وفق نسب متفق عليها.
-إشراف تقني وقانوني يضمن حقوق الطرفين.
-توجيه جزء من العائدات إلى مشاريع تنمية في الجنوب التونسي والغرب الليبي.
إن المكسب الحقيقي لا يتمثل فقط في كسب قضية أمام محكمة، بل في تحويل الموارد المحتملة إلى طاقة، واستثمار، ومواطن شغل، وتنمية مشتركة.
فتونس تحتاج إلى الطاقة والاستثمار، وليبيا تحتاج إلى الاستقرار والشراكات الموثوقة. والمنطقة كلها تحتاج إلى مشاريع تجمع بدل أن تفرّق.
لذلك فإن أفضل حل، في تقديري، هو أن تدخل تونس وليبيا هذا الملف بمنطق الدولة العاقلة: لا تفريط في الحقوق، ولا تصعيد غير منتج، بل تفاوض جاد نحو شراكة بحرية واقتصادية تحفظ السيادة وتخلق الثروة.
بين تونس وليبيا، الحكمة ليست في أن ينتصر طرف على الآخر، بل في أن ينتصر البلدان معاً على الفقر، والتبعية الطاقية، وضعف الاستثمار.
فواصل | تونس