تحوّل في بوصلة القاهرة.. مصر تعيد رسم استراتيجيتها في الملف الليبي

شهدت السياسة المصرية تجاه ليبيا خلال الأشهر الأخيرة تحولًا لافتًا في مقاربتها للملف الليبي، سواء من حيث الأولويات أو أدوات التأثير.

خاص فواصل
حصلت فواصل على معلومات تفيد أن تولي رئيس المخابرات العامة المصرية، حسن رشاد خلفا لعباس كامل، مثّل نقطة تحول واضحة في آلية إدارة القاهرة لهذا الملف، إذ أعاد رشاد تشكيل فريق المخابرات المعني بالملف الليبي وتغييره بالكامل منذ عام 2014، في خطوة وُصفت بأنها تهدف إلى تجديد المقاربة المصرية بما يتماشى مع المتغيرات الإقليمية والدولية.

المعلومات كشفت أن الملف الليبي بات يحتل المرتبة الرابعة في أولويات السياسة الخارجية المصرية بعد ملفات غزة وإثيوبيا والسودان، في إشارة إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي للسياسة الإقليمية للقاهرة، بما يوازن بين الأمن القومي والفرص الاقتصادية في الإقليم.

المقاربة المصرية

بعد سنوات من الانخراط في تفاصيل الأزمة الليبية، برزت القاهرة مؤخرًا كأحد الفاعلين الإقليميين الذين يسعون إلى دفع العملية السياسية عبر قنوات الأمم المتحدة، وهو ما عكسه الترحيب الرسمي المصري بخريطة الطريق الأممية الأخيرة، ودعوتها إلى إطلاق عملية سياسية تؤدي إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.

النهج المصري

في هذا السياق، أصبحت السياسة المصرية أكثر اتساقا مع مسارات البعثة الأممية، إذ تركز القاهرة على دعم الحل السياسي الشامل ورفض حالة الانقسام المؤسساتي، مع تأكيدها أن وحدة المؤسسات الليبية الشرعية تمثل الركيزة الأساسية لتحقيق الاستقرار.

كما تشدد مصر على ضرورة وضع جدول زمني واضح لخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، بالتوازي مع دعمها المتواصل لجهود إعادة الإعمار وتعزيز التعاون الاقتصادي مع مختلف الأطراف الليبية في الشرق والغرب.

وفي الإطار ذاته، تواصل القاهرة تنسيق مواقفها مع الشركاء الإقليميين والدوليين بهدف تسريع العملية السياسية وضمان توافق وطني يهيئ لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة تنهي حالة الجمود الراهنة.

ضغوط وتحركات

هناك مصادر تشير إلى أن القاهرة مارست ضغوطا مباشرة على رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، لعدم المضي في ملف ترشيحات الحكومة الجديدة في ليبيا، في ظل رغبة مصرية واضحة في الدفع نحو تسوية متوازنة مع المنطقة الغربية بعكس مسارها السابق الذي كان يدعم الإجراءات الأحادية من البرلمان مثل تعيين فتحي باشاغا رئيسا للحكومة بعد سحب الثقة من رئيس حكومة الوحدة عبدالحميد الدبيبة.

وفي يوليو الماضي، وخلال أسبوع واحد فقط، استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي كلاً من عقيلة صالح وقائد “القيادة العامة” خليفة حفتر، في اجتماعين منفصلين، بالقاهرة ضمن جهود وساطة متقدمة تستهدف توحيد الرؤية تجاه المرحلة السياسية المقبلة

المسار الاقتصادي

يُعد الجانب الاقتصادي أحد أبرز محاور التحرك المصري في ليبيا، إذ تنفذ شركات مصرية مشروعات واسعة في شرق ليبيا بالتنسيق مع مجلس النواب و”القيادة العامة”، تشمل تطوير الطرق في بنغازي ودرنة وطبرق، إلى جانب مساهمة كبيرة في إعادة إعمار درنة بعد إعصار دانيال الذي ضرب المدينة قبل عامين.

وفي المقابل، تعمل القاهرة على تعزيز حضورها الاقتصادي في الغرب عبر اتفاقيات موقعة مع حكومة الوحدة، من بينها مشروع الطريق الدائري وعدد من مشاريع البنية التحتية، ما يعكس رغبة مصرية في الحفاظ على قنوات تواصل مع الطرفين لضمان مصالحها الاستراتيجية.

تبدّل النبرة

من اللافت أن الإعلام المصري لم يُظهر في الاشتباكات الأخيرة بطرابلس الحدة المعتادة في الخطاب تجاه الغرب الليبي، وهو ما فسر بأنه تغيير في التوجيه الإعلامي الرسمي يعكس تعليمات بعدم التصعيد، تماشيا مع التحول في السياسة العامة، وفتحا لمساحات جديدة من المرونة الدبلوماسية.

تبدو الاستراتيجية المصرية الجديدة في ليبيا أكثر هدوءا وتكاملا مع المسارات الأممية، مع حضور اقتصادي متنامٍ وتحرك سياسي محسوب، لكن تبقى الأسئلة مفتوحة، إلى أي مدى يمكن لمصر أن توازن بين مصالحها في الشرق وحضورها المتزايد في الغرب؟ وكيف سينعكس تغيّر قيادة المخابرات على أدوات القاهرة في التعامل مع الفاعلين الليبيين خلال المرحلة المقبلة؟

Related posts

نقابة الصحفيين السودانيين ترصد 8 انتهاكات بحق صحفيين لاجئين في ليبيا خلال أسبوع

نقص الوقود وارتفاع الحرارة يفاقمان العجز بالشبكة الكهربائية.. وتحذيرات من انقطاعات واسعة

مسؤول طاقة روسي: الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من إغلاق مضيق هرمز واضطراب أسواق النفط