يُختزل الجدل الدائر حول ملف دعم الوقود في ليبيا في سؤال واحد: كيف يصل الدعم إلى المواطن ويستمر؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، يتجاهل عنصرًا حاسمًا في تشكيل السوق، يتمثل في الفارق السعري الذي تحكمه تشوهات سعر الصرف، والذي يحدد فعليًا سلوك الاستهلاك والتهريب معًا.
في هذا السياق، يُطرح استبدال الدعم السلعي بالدعم المباشر أو النقدي باعتباره خيارًا أكثر عدالة وكفاءة، يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه ويحد من الهدر. غير أن الحسابات الاقتصادية البسيطة تُظهر أن تغيير آلية الدعم لا يعني بالضرورة تغيير النتيجة، ما دام سعر الصرف في السوق الموازي هو المتحكم الفعلي في السوق.
فحتى في حال افتراض تحسن سعر الدولار وانخفاضه إلى حدود 8 دنانير، أو حتى 6 دنانير في سيناريو أكثر تفاؤلًا، فإن سعر اللتر غير المدعوم سيبقى في حدود 2 إلى 2.5 دينار، وهو مستوى سعري لا يقترب من أسعار البيع في دول الجوار، حيث يُباع اللتر بما يقارب دولارًا واحدًا. وبهذا الحساب، يشتري المهرّب اللتر محليًا بنحو 2.5 دينار، ويبيعه خارج البلاد بما يعادل 6 دنانير عند سعر صرف 6، أو 8 دنانير عند سعر صرف 8، أو نحو 9 دنانير في ظل السعر الحالي. هذا الفارق السعري، في جميع السيناريوهات، يظل كافيًا للإبقاء على التهريب كنشاط مربح، بل ويتضخم كلما ارتفع سعر الدولار في السوق الموازي.
وفي المقابل، ينعكس استبدال الدعم السلعي بالدعم النقدي مباشرة على تكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، في سوق يعاني أصلًا من ضعف الرقابة وغياب أدوات الحماية الاجتماعية. فالمواطن قد يتلقى دعمًا نقديًا مباشرًا، إلا أن هذا الدعم يُمتص سريعًا بفعل موجات ارتفاع الأسعار، في حين تبقى استفادة الدولة من تقليص الدعم شكلية، ما لم تُقترن بسياسات واضحة تعيد توجيه الوفورات نحو تحسين مستوى الدخل والخدمات العامة.
وتزداد تعقيدات هذا الخيار في ظل واقع سياسي واقتصادي غير مستقر، إذ يتطلب استبدال الدعم منظومة رقابية محكمة وانتظامًا صارمًا في صرف القيمة النقدية المباشرة بما يضمن وصولها إلى المواطن شهريًا، وهي شروط يصعب تحقيقها في الظرف الاستثنائي الراهن. ومع ذلك، فإن التوقف عند هذه التفاصيل الإجرائية لا يغيّر حقيقة أن أصل المشكلة يكمن في الفارق السعري الذي تفرضه تشوهات السوق الموازي، لا في شكل الدعم ذاته.
إن التركيز على شكل الدعم أو آلية توزيعه، بمعزل عن البيئة النقدية التي يعمل داخلها، يفضي إلى نتائج محدودة مهما حسنت النوايا. فجوهر أزمة دعم الوقود في ليبيا لا يكمن في الدعم ذاته، بل في سعر الصرف الذي يحكم كل الحسابات الاقتصادية ويُبقي الفارق السعري قائمًا. ومن دون إصلاح نقدي حقيقي يحد من تشوهات السوق الموازي، سيظل أي تعديل في منظومة الدعم إجراءً ناقص الأثر، لا يوقف التهريب ولا يحقق العدالة الاقتصادية المنشودة.
أحمد المسلاتي
باحث مهتم بالشأن الاقتصادي وقطاع الطاقة