في مشهد يعيد تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في ليبيا، استقبل رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، صباح اليوم الأحد، رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، مراجع نوح، الذي انتُخب مؤخرًا رئيسًا للهيئة، بعد سنوات من الجمود والتأجيل.
وخلال اللقاء، شدّد المنفي على أن الوثيقة الدستورية التي أنجزتها الهيئة في يوليو 2017 لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها دون العودة إلى الشعب عبر استفتاء حر ومباشر، مشيرًا إلى أن المسار الدستوري يُعدّ البوابة الطبيعية لأي تسوية سياسية مستقرة.
لكن هذا المسار لم يكن مفروشًا بالوضوح، بل كان حقلًا من العراقيل؛ فقبل أكثر من عقد، وفي عام 2014، انتخب الليبيون هيئة تأسيسية لصياغة الدستور، أملًا في إنتاج عقد وطني جديد يُطوي صفحات الانتقال، غير أن عمل الهيئة تعطّل مرارًا بفعل الانقسامات السياسية والضغوط الأمنية، لتدخل في نوبات من السكون.
ومع ذلك، تمكنت الهيئة من إنجاز مشروع دستور متكامل في منتصف عام 2017، بإجماع داخلي شكّل علامة فارقة. غير أن هذا الإنجاز، الذي اتسم بالطابع القانوني والإجرائي الكامل، قوبل بفتور واضح من مجلسي النواب والدولة، اللذين صرفا أنظارهما عن الاستحقاق الدستوري، وذهبا نحو تشكيل لجنة مشتركة (6+6) لصياغة قوانين انتخابية من خارج السياق الدستوري.
ولم تكن البعثة الأممية بعيدة عن هذا التوجه؛ إذ بدا أنها بدورها تجاهلت المشروع المنجز، مفضّلة دفع المسار السياسي عبر تفاهمات فوقية بديلة، دون أن تمنح وثيقة 2017 المساحة المستحقة في خارطة الحل.
لكن في الشهر الماضي، وفي خطوة لافتة، عادت الهيئة التأسيسية للاجتماع، وانتخبت رئاسة جديدة، إيذانًا بمحاولة جادة لإحياء المسار الدستوري من الداخل، واستعادة زمام المبادرة بعد سنوات من التجميد.
وجاء لقاء المنفي اليوم تأكيدًا على أن الدستور المنجز لم يُطوَ، بل ما يزال حاضرًا كخيار دستوري مشروع، لا يمكن تجاوزه دون العودة إلى أصوات الليبيين، في صناديق الاستفتاء، لا في دهاليز التفاهمات.