فجّر بيان مصرف ليبيا المركزي الصادر في 14 أكتوبر 2025 مفاجأة مدوية، حين أقر بسحب كميات من فئة 20 دينارًا (الإصدار الثاني) كانت متداولة خارج أي سند قانوني، ودون تسجيل رسمي بسجلات الإصدار المعتمدة. وبحسب ما ورد، فإن الكمية المتداولة وغير المسجلة تُقدّر بأكثر من 6 مليارات دينار ليبي، تم سحبها تدريجيًا عبر المصارف التجارية، وأُودعت في حسابات متعددة ضمن النظام المالي الرسمي،
ما يطرح أسئلة قانونية خطيرة حول دور المصرف، وصمته لسنوات، وحدود مسؤوليته القانونية والإدارية.
وقد أثار البيان تساؤلات قانونية خطيرة، من بينها: هل كان المصرف المركزي على علم بهذه الكميات منذ سنوات؟ ولماذا تم سحبها بدل إلغائها؟ وهل يُعد هذا التصرّف نوعًا من شرعنة أموال مجهولة المصدر عبر الغطاء الرسمي؟
مسؤولية المصرف المركزي بين الصمت والتورط
لا بد من التمييز بين الجهة الفنية المنفذة لطباعة العملة (مثل إدارة الإصدار أو الطباعة والتوريد)، وبين مسؤولية المحافظ والمؤسسات الرقابية داخل المصرف.
ووفق المادة (35) من قانون المصارف رقم (1) لسنة 2005، فإن مسؤولية إصدار العملة وتسجيلها ومراقبة تداولها تقع حصريًا على مصرف ليبيا المركزي، ويُعدّ أي تداول لكميات غير مقيدة في سجل الإصدار الرسمي مخالفة قانونية. وبالتالي، فالمسؤولية لا تقتصر على “الإدارة الفنية” بل تطال المحافظ ومجلس إدارة المصرف، خاصة إذا ثبت علمهم أو علم بعضهم بالأمر دون اتخاذ إجراء.
هل نحن أمام جريمة غسل أموال منظمة؟
وفقًا لتعريف غسل الأموال في القانون رقم 1013 لسنة 2017 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فإن أي عملية تهدف إلى:
إخفاء مصدر غير مشروع للمال؛ وتمريره عبر النظام المالي الرسمي؛ ومنحه مظهرًا شرعيًا؛
تُعد غسل أموال.
وبناء على ما ورد، فإن تداول هذه الكميات غير المسجلة عبر المصارف التجارية، واستبدالها لاحقًا بعملات رسمية عبر عملية السحب، يُمكن اعتباره بمثابة “عملية تنظيف قانوني لنقود مشبوهة” – أي غسل أموال باستخدام أدوات الدولة ذاتها، ما لم يُثبت خلاف ذلك خصوصًا وأنها أُودعت بالكامل في النظام المصرفي الرسمي، مما يزيد من الشبهات ما لم يُثبت خلاف ذلك بتحقيق مستقل.
البيان لا يكفي… بل يُدين
إن البيان، على أهميته، لم يرتقِ إلى مستوى الحدث، إذ غابت عنه الشفافية الكاملة، ولم يتضمن أي إشارة للمسؤولين عن الخلل، أو للقنوات التي مرّت بها هذه الأموال، أو حجم الأرباح المتولدة عنها. وهذا يُضعف صورة المصرف أمام المواطن، ويعزز المخاوف من وجود مظلة إدارية تُعيق المحاسبة داخل المؤسسات السيادية.
من واقع ما سبق، تبرز الحاجة الملحّة إلى فتح تحقيق قضائي ونيابي شامل بإشراف النائب العام وهيئات الرقابة العليا، من أجل الوقوف على حقيقة ما جرى في ملف العملة غير المسجلة. كما يُستحسن إيقاف أي مسؤول يُحتمل ضلوعه بالتقصير أو التواطؤ، إلى حين استجلاء الحقيقة. ولا يقلّ أهمية عن ذلك إصدار تقرير مفصل للرأي العام يُبيّن أثر هذه الواقعة على الاقتصاد الوطني، ومصير الكتلة النقدية المتداولة.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري: من سيتحمّل الفارق النقدي الناتج عن استبدال العملة غير المسجلة؟وهل سيتحمّله الاحتياطي العام للدولة؟ أم ستُحمّل تبعاته غير المباشرة للمواطن في شكل تضخم وتراجع في القوة الشرائية؟
إن الجواب عن هذا السؤال لا يمكن أن يُترك للتكهنات، بل يتطلب كشفًا ماليًا شفافًا وتقريرًا يُحدّد بدقة من أين جاءت التغطية النقدية، وما إذا كانت المسألة قد أثّرت على توازنات النقد والاحتياطي العام
ويتطلب الموقف إعادة النظر في آليات الرقابة الداخلية بالمصرف المركزي، من خلال إعادة هيكلتها وفصل المهام الفنية عن الإدارية، إلى جانب تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم خبراء وممثلين عن السلطتين التشريعية والاستشارية لمراجعة مسار السياسة النقدية وضمان عدم تكرار هذه الانحرافات في المستقبل.
فما حدث يتجاوز حدود الخطأ الإداري أو التوريد الفني، ليدخل في نطاق الإخلال بالثقة العامة وتهديد السيادة النقدية. ومن واجب البرلمان، ومجلس الدولة، وهيئات الرقابة، أن يتعاملوا مع هذه الواقعة كسابقة خطيرة تتطلب إعادة النظر في آليات الرقابة الداخلية، وهيكل إدارة السياسة النقدية في ليبيا.
كما أن تجاهل الإجابة عن سؤال: “من دفع ثمن هذا الانحراف النقدي؟”، لن يؤدي إلا إلى مزيد من انعدام الثقة في المؤسسة النقدية، ما لم يتم توضيحه بتقرير مالي شفاف ومسؤول.