غاز ليبيا يتراجع.. مليارات مهدورة وفرحات لم يمثل أمام النائب العام

يشهد ملف الغاز في ليبيا تراجعًا ملحوظًا في مستويات التصدير، رغم توقيع اتفاقيات تطوير كان يُفترض أن تعزز قدرة البلاد على الوفاء بالتزاماتها الخارجية، وتقلّص الاعتماد المتزايد على شراء الغاز لتغطية الطلب المحلي، وذلك في ظل صمت المؤسسة الوطنية للنفط، وعدم امتثال رئيسها السابق فرحات بن قدارة لطلب النائب العام المتعلق بهذه الاتفاقيات.

وبحسب الاتفاقية الموقعة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، جرى تعديل نسب الشراكة لصالح الشريك الأجنبي بزيادة قدرها 9%، مقابل التزام استثماري مشترك يقضي بضخ 4 مليارات دولار من كل طرف لتطوير حقول بحرية مخصصة للغاز، على أن يُنفذ المشروع عبر شركة مليتة، بما يُفترض أن يدعم القدرة التصديرية لليبيا على المدى المتوسط.

غير أن المؤسسة لم تعلن حتى الآن عن أي مؤشرات عملية على تحسن التصدير أو خفض الاعتماد على شراء الغاز، كما لم تقدّم توضيحات بشأن أسباب تعثر تنفيذ المشروع أو مصير الاستثمارات المعلنة، رغم مرور فترة كافية لظهور نتائج أولية.

وفي هذا السياق، أفادت وكالة نوفا الإيطالية بأن ليبيا صدّرت نحو مليار متر مكعب من الغاز إلى إيطاليا خلال عام 2025، بانخفاض يقارب 30% مقارنة بعام 2024، الذي بلغت فيه الصادرات نحو 1,4 مليار متر مكعب عبر خط أنابيب “غرين ستريم”. وأرجعت الوكالة هذا التراجع إلى قيود تشغيلية ومالية تواجهها المؤسسة الوطنية للنفط، من بينها تأخر أعمال الصيانة وتباطؤ تنفيذ مشاريع التطوير، ما حدّ من قدرتها على الحفاظ على مستويات التصدير، رغم تأكيد الحكومة أن الغاز يمثل أولوية استراتيجية.

وفي موازاة ذلك، تثار تساؤلات حول آلية تعامل ليبيا مع حصة الشريك الإيطالي من الغاز، إذ تشير معطيات إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط تلجأ إلى استحواذ واستخدام جزء من حصة شركة إيني لتغطية الطلب المحلي، بتكلفة يُقدّر أنها تتجاوز السعر الدولي للغاز بما يزيد عن 300%، وذلك في ظل ما يُعرف بسعي بروكسيل لفرض سقف سعري على الغاز في السوق الأوروبية.

وبحسب تقديرات متداولة، تتحمل ليبيا سنويًا كلفة تقارب مليار دولار لقاء شراء الغاز من حصة الشريك الإيطالي، محسوبة وفق السعر الأوروبي، وهو ما يعادل نحو ثلاثة أضعاف السعر الدولي للغاز، في حين كان من الممكن تفادي جزء كبير من هذه الأعباء المالية لو أُنجزت مشاريع تطوير واستكشاف الغاز المعلنة في آجالها، وجرى توظيفها لرفع الإنتاج وتغطية الطلب المحلي.

وتفتح هذه الآلية باب التساؤل حول ما إذا كانت ليبيا، بدل الاستفادة من شراكات التطوير لرفع التصدير وتقليص فاتورة الشراء، تتحمل أعباء مالية مرتفعة لقاء استخدام غاز يُفترض أنه جزء من منظومة تقاسم الإنتاج، دون تفسير رسمي يوضح أسس التسعير أو جدوى هذا الترتيب.

ي المقابل، استفادت شركة إيني من رفع حصتها التعاقدية، في حين لم ينعكس ذلك على تحسن الصادرات الليبية أو تقليص الحاجة إلى شراء الغاز لتغطية الطلب المحلي، ما يعزز التساؤلات حول توازن المصالح في الاتفاقيات الموقعة.

وعلى الصعيد القانوني، أعلنت النيابة العامة فتح تحقيق في اختلالات مالية وإدارية ناتجة عن تعديل اتفاقية تقاسم الإنتاج لمنطقتي التعاقد “الوفاء” و“بحر السلام”، مشيرة إلى أن التعديلات قد تكون رفعت حصة الشريك الأجنبي بما لا ينسجم مع المصلحة العامة. وقررت النيابة تشكيل لجنة استشارية فنية لدراسة الاتفاقية وتقييم آثارها القانونية والمالية، في إطار حماية المال العام.

يتقاطع في هذا المشهد تراجع التصدير، وتعثر تنفيذ مشاريع التطوير، وتحمل الدولة أعباء مالية مرتفعة، واستفادة الشريك الأجنبي، إلى جانب صمت المؤسسة وعدم الامتثال القضائي، ما يضع ملف الغاز الليبي تحت مجهر الرقابة، ويطرح تساؤلات جدية حول إدارة الموارد وجدوى الاتفاقيات وقدرة الدولة على حماية مصالحها في قطاع استراتيجي يتزايد فيه الطلب المحلي.

Related posts

بعد لقاء أردوغان وتشياني.. تركيا والنيجر توقعان اتفاقيات لتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي

الخارجية الإيطالية: النيابة العامة في بنغازي تمدد حبس إيطاليين مشاركين في القافلة المتجهة إلى غـ.زة

خاص فواصل: تعيين ديفيد لينفيلد مسؤولاً جديداً للملف السياسي والاقتصادي بالسفارة الأمريكية لدى ليبيا