في ظل غياب الدولة.. ارتفاع مقلق في معدلات الفقر وسط تراجع قيمة الدينار وغلاء المعيشة

تشهد ليبيا اتساعا متسارعا في دائرة الفقر في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية وتراجع القوة الشرائية للمواطنين، حيث كشفت تقارير ودراسات حديثة عن ارتفاع مقلق في معدلات الفقر خلال العامين الماضيين، مدفوعة بتقلبات سعر الصرف وغلاء السلع الأساسية.

تدهور الدينار

ويأتي هذا التدهور المعيشي بالتزامن مع تسجيل سعر صرف الدولار في السوق الموازية مستويات غير مسبوقة، بعدما تجاوز حاجز 8 دنانير خلال الأيام الماضية، على الرغم من الإجراءات التي أعلنها مصرف ليبيا المركزي ضمن خطته للإصلاح الاقتصادي، والتي لم تنجح حتى الآن في الحد من تراجع العملة أو السيطرة على التضخم.

بيانات رسمية

ووفق بيانات حكومية رسمية صدرت نهاية عام 2024، يقدر عدد الأسر الليبية بنحو 1.9 مليون أسرة، ما يعني أن حوالي 36,100 أسرة تعيش في فقر مدقع، فيما تكافح نحو 579,500 أسرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط واقع اقتصادي يزداد صعوبة.

وتفيد البيانات الصادرة عن مجلة الاقتصاد والأعمال بجامعة مصراتة مطلع عام 2025 بأن نحو 32.5% من الأسر الليبية تعيش تحت خط الفقر، بينها 1.9% تعاني من فقر مدقع، وهي نسب تتقارب مع نتائج المسح الشامل لدخل وإنفاق الأسرة الصادر عن مصلحة التعداد الحكومية لعامي 2022 و2023.

ضغوط تضخيمية

الدراسة أشارت إلى أن ارتفاع كلفة المعيشة مرتبط بزيادة سعر الصرف في السوق الموازية وما صاحبه من ارتفاع مباشر في أسعار السلع، إلى جانب التوسع في عرض النقود خلال الفترة بين 2015 و2020 وما نتج عنه من ضغوط تضخمية، بالإضافة إلى الارتفاع العالمي في أسعار السلع بين 2021 و2023، وهو ما انعكس بشكل حاد على السوق المحلية.

عجز متصاعد

في ظل غياب سياسة اقتصادية واضحة يمكنها توجيه السوق واحتواء الضغوط المعيشية، يواصل الوضع المالي في ليبيا التدهور، إذ أعلن المصرف المركزي تسجيل عجز في ميزان المدفوعات بلغ نحو 7.8 مليارات دولار حتى نهاية نوفمبر الماضي، في مؤشر يعكس حجم الاختلالات العميقة التي يواجهها الاقتصاد الوطني.

فجوة كبيرة

وتكشف البيانات الرسمية عن فجوة كبيرة بين دخل الأسر ونفقاتها، إذ يبلغ الحد الأدنى للأجور ألف دينار ليبي فقط، بينما يصل متوسط إنفاق الأسرة الشهري إلى 3094 ديناراً، منها 1250 ديناراً مخصّصة للغذاء، ما يعني أن الكثير من الأسر تنفق ما يفوق دخلها على الطعام وحده، دون احتساب تكاليف السكن أو الصحة أو التعليم.

ضغط معيشي

وفي مواجهة هذا الضغط المعيشي اضطر عدد كبير من الأسر إلى الاقتراض أو بيع ممتلكاتها الأساسية، حيث تظهر بيانات مصلحة التعداد أن 35% من الأسر المديونة اقترضت لتوفير الغذاء، بينما لجأت 13% منها إلى بيع ممتلكات شخصية لتغطية احتياجاتها اليومية.

تجد البلاد نفسها اليوم أمام تحد اقتصادي واجتماعي متصاعد يهدد استقرار الأسر ومستقبلها، في ظل غياب سياسات فعالة لضبط الأسعار وتعثر الإصلاحات، واتساع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.

وبينما تستمر الضغوط التضخمية في التأثير على حياة المواطنين، تبقى معالجة جذور الأزمة ضرورة ملحة تتطلب إرادة سياسية واضحة ورؤية اقتصادية شاملة تعيد التوازن إلى السوق وتخفف الأعباء عن كاهل الليبيين.

Related posts

نقابة الصحفيين السودانيين ترصد 8 انتهاكات بحق صحفيين لاجئين في ليبيا خلال أسبوع

نقص الوقود وارتفاع الحرارة يفاقمان العجز بالشبكة الكهربائية.. وتحذيرات من انقطاعات واسعة

مسؤول طاقة روسي: الولايات المتحدة المستفيد الأكبر من إغلاق مضيق هرمز واضطراب أسواق النفط