في بلادنا، الأزمات لا تأتي فجأة بل تربى وتُسقى حتى تكبر، ثم تُقدَّم للناس باعتبارها قدرهم الذي لا مفر منه. وبعدها يبدأ العرض: افتتاح، خطاب، وعود بسلع مدعومة، خطة عاجلة، ومواعيد قريبة جدا… قريبة لدرجة أنها لا تصل أبدا. القاعدة هنا بسيطة: كلما كبرت الأزمة، كبرت فرص الاستثمار فيها.
في غرب البلاد، تُفتتح مجمعات صحية، وتُعلن خطط عاجلة لإصلاح القطاع خلال أيام أو أسابيع، رغم أن الحكومة موجودة منذ سنوات. الخطاب ثابت: نحن لا نتحمل مسؤولية ما حدث، لكننا سنصلحه بسرعة. المشكلة أن هذا الإصلاح العاجل يتكرر منذ أعوام، بينما يبقى المرض كما هو والمريض يعاني… بل يتمدد التردي والانحدار. كأن القطاع الصحي تحول إلى مشروع دائم للصرف، لا للخدمات.
في الشرق، المشهد مختلف في الشكل، لكنه متشابه في الجوهر. طرق ومطارات ومبانٍ تُعلن باعتبارها إنجازات كبرى، لكن من دون توازن واضح بين الإيرادات والإنفاق. الأموال تُصرف، العملة الصعبة تُسحب، الطلب يرتفع، الأسعار تقفز، ثم يُقال لنا إن التضخم جاء من الخارج. كأن السوق كائن شرير يعمل ضدنا، بلا قرارات تدفعه ولا سياسات تصنعه، وعندما تضيق الأحوال، تظهر الحلول السريعة: سلع مدعومة، منظومات توزيع، قوائم وأرقام وطنية.
الدولة التي تعجز عن ضبط السوق تصبح فجأة تاجرا. وتاجرا ناجحا أيضا، لأن الربح السياسي مضمون: تعاطف اجتماعي اليوم، وديون مؤجلة غدا. ديون لا تظهر في نشرات الأخبار، لكنها تظهر لاحقا في شكل تآكل العملة، أو انهيار الخدمات، أو استنزاف الاحتياطي.
وسط هذه الفوضى المنظمة، يظهر بطل جديد: رجل التبرعات الأول . مرة يتحدث عن الإسكان، مرة عن الزراعة، ومرة عن دعم الفقراء. يتنقل بين الملفات بسرعة، كأنه وزارة كاملة بميزانية من اللايكات والمشاهدات.
آخر ظهور إعلامي له كان في سوق زراعي ناشئ، حيث قرر فجأة بيع التمر وزيت الزيتون بأسعار أقل من السوق، داعيا التجار لتوريد أي كميات. في الظاهر، عمل خيري. في العمق، تشويش على قطاع يحتاج قوانين واستقرارا وتمويلا طويل الأمد. الزراعة الناشئة قضية أمن قومي، لكنها في زمن الأزمات تتحول إلى منصة دعاية.
المفارقة أن هذه العروض، شرقا وغربا، لا تختلف كثيرا. الجميع يتحدث عن الحل، لكن قليلين يتحدثون عن السبب. الجميع يعد بالإصلاح، لكن نادرا ما يعترف بالقرار الذي صنع الأزمة.
الأزمة ليست التضخم فقط. ولا غلاء الأسعار فقط. ولا ضعف الخدمات فقط. إن الأزمة هي تحويل الفشل إلى خطاب، والخطاب إلى مشروع سياسي، والمشروع إلى فرصة تمويل.
ويبقي السؤال الحقيقي ليس: من يبيع التمر أو الزيت بسعر أقل؟ السؤال: لماذا وصلنا إلى هذه النقطة أصلًا؟
ما لم يتحول النقاش من المسكنات إلى الجذور، ستظل الأزمات تُدار لا تُحل، وستظل الدولة تنتج أزمات جديدة لتبرير حلول جديدة… في دائرة لا تنتهي.