إعادة إعمار المدن ليست مشروعا هندسيا بقدر ما هي عملية ترميم للذاكرة، للإنسان والكيان قبل الحجر.

فالمدن التي عانت من الحروب لا تحتاج فقط إلى خرائط جديدة، بل إلى مصالحة مع ماضيها، وإلى تصميم يعيد الثقة بين الإنسان والمكان بعد أن تهشم هذا الرابط بفعل الخوف والغياب.
أنا ابن هذه المدينة…
بنغازي مدينة أعرفها حجرًا حجرًا، وزاوية زاوية.
أعرف رائحتها بعد المطر، وأصواتها عند الفجر، ونبضها في الهدوء والضجيج.
هذه الصورة التُقطت لي عام 1997، وأنا أنظر من أعلى منارتها الشهيرة إلى مدينة كانت تتنفس الحياة رغم الفساد والضغوطات آنذاك. كنت حينها أجلس مع صديقيّ المعماريين ورفقاء الدراسة (والي العبيدي وهشام الكواش)، نحلم ونخطط جميعًا لبنغازي أجمل…!
مدينة تحفظ ذاكرتها وتكبر بهدوء دون أن تفقد روحها.
واليوم، بعد كل ما مرّت به، أراها من جديد، لكن بنظرة مختلفة.
علمتني ممارسة ودراسة وتدريس التصميم لعقود من الزمن أن التخطيط والعمران والتطوير لا تكمن في لوحات ومخططات وواجهات جمالية للمباني، بل في الوجوه التي تسكنها وتستخدمها.
أعرف زوايا مدينتي التي غابت عنها الكثير من الوجوه والأصوات، وأحياءها القديمة التي كانت تنبض بالحياة ثم خفتت أنفاسها. وحين أراها تُبنى من جديد، أفرح… لكنني أرتبك!!!
كوني أدرك أن الإعمار الحقيقي لا يبدأ بارتفاع الأبراج ولا بواجهات زجاجية لامعة، بل من الأسفل، من البنية التحتية التي تحفظ كرامة الناس قبل أن تدهشهم بالمظاهر.
المدينة التي عاشت الحرب لا تُبنى كما كانت، لأن ملامحها تغيّرت كما تغيّر أبناؤها.
الجدران يمكن أن تُرمم، لكن الانتماء لا يُعاد بالإسمنت.
فمن الخطأ أن نعامل المدن بعد الحرب كأنها صفحة بيضاء نمحو ماضيها ونرسم فوقها. فكل جدار مهدّم وكل ركن صامت يحمل قصة يجب أن تُروى لا أن تُنسى.
بنغازي لا تحتاج إلى عمارةٍ تُخفي الندوب،
بل إلى تصميمٍ يشفي ذاكرة المكان ويعيد إليها دفء الانتماء.
العمارة بعد الحرب ليست فنًا للبناء فحسب،
بل علاج نفسيّ جماعيّ، يُعيد الثقة، ويزرع الأمل، ويُذكّر الناس أن المدينة لا تموت طالما هناك من يحبها.
إعادة الإعمار ليست سباقًا في من يبني أسرع، أو أكبر، أو أطول! بل امتحان في من يفهم الإنسان أولًا.
فالوجه المتعب المرهق سيظل على حاله حتى لو وضعنا أغلى مساحيق التجميل عليه!
فقط!

د.إبراهيم الأصيفر
بروفيسور في التصميم
جامعة ولاية أريزونا

Related posts

بعد لقاء أردوغان وتشياني.. تركيا والنيجر توقعان اتفاقيات لتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي

الخارجية الإيطالية: النيابة العامة في بنغازي تمدد حبس إيطاليين مشاركين في القافلة المتجهة إلى غـ.زة

خاص فواصل: تعيين ديفيد لينفيلد مسؤولاً جديداً للملف السياسي والاقتصادي بالسفارة الأمريكية لدى ليبيا