في وقت تؤكد فيه حكومة الوحدة الوطنية التزامها بمبادئ الحوكمة والشفافية داخل قطاع النفط، تطرح الوقائع التي تكشفها فواصل سؤالا أكثر إلحاحا: كيف صُرفت مليارات الدنانير تحت عنوان رفع الإنتاج، دون أن ينعكس ذلك على الواقع؟ ولماذا لجأت المؤسسة الوطنية للنفط إلى آليات تمويل بديلة خارج الأطر المعلنة؟
اجتماع اليوم
اجتماع عقده رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، اليوم الأحد، مع قيادات المؤسسة الوطنية للنفط وعدد من مديري إداراتها، إلى جانب مسؤول من ديوان المحاسبة ووزارة الاقتصاد، أعاد التأكيد على عناوين عامة تتعلق بالرقابة والكفاءة وتحسين الأداء، والعمل مع الشركاء الدوليين للحفاظ على معدلات الإنتاج. غير أن الاجتماع خلا من أي عرض رقمي تفصيلي يوضح حجم الإنفاق الفعلي، أو يقيّم ما تحقق من خطط رفع الإنتاج التي جرى تمويلها خلال السنوات الماضية.
رسالة تحذير
في المقابل، تحصلت فواصل حصريا على رسالة رسمية وجّهها رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، إلى رئيس الحكومة بتاريخ 9 ديسمبر 2025، حذّر فيها من التداعيات الخطيرة لاستمرار شحّ التمويل وعدم تسييل الميزانيات المخصصة للقطاع، معتبرًا أن نقص السيولة بات عائقًا مباشرًا أمام استدامة الإنتاج.
وأشار سليمان في رسالته إلى مفارقة لافتة، تتمثل في أن الإيرادات النفطية تمثل أكثر من 90% من الدخل القومي، في حين لا تزال المؤسسة تعاني من قيود مالية، رغم أن القوانين المنظمة لعملها تنص على تمتعها بميزانية مستقلة تُموَّل مباشرة من عائدات بيع النفط. كما لفت إلى أن الآليات المالية المعمول بها منذ عام 2011 أسهمت في إضعاف القطاع وتراكم أزماته.
غير أن هذه المطالبة بميزانيات إضافية تثير تساؤلات جوهرية، في ضوء الاعتمادات المالية الضخمة التي سبق تخصيصها فعليا للقطاع، والتي حصلت فواصل على وثائق رسمية بشأنها.
إنتاج ثابت
تُظهر وثائق حكومية، من بينها قرار مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية رقم 384 لسنة 2022، الصادر في 16 أبريل، اعتماد برنامج مالي تضمّن تحويل التزامات بقيمة 6.43 مليار دينار لتمويل خطة رفع الإنتاج إلى 1.45 مليون برميل يوميًا، إلى جانب ميزانية استثنائية بلغت 34.2 مليار دينار لتغطية النفقات التشغيلية والخطط التنموية وتسوية التزامات سابقة.
كما كشفت بيانات رسمية لاحقة، مؤرخة في 6 يوليو 2023، عن إقرار إنفاق يفوق 23 مليار دينار لصالح قطاع النفط، بينها 17.5 مليار دينار لعام 2023 و 6.6 مليار دينار لعام 2024، خُصصت للمصروفات التشغيلية والتنموية والمرتبات، ضمن ترتيبات مالية استثنائية وبالتنسيق مع وزارة المالية.
ورغم هذه الأرقام، لم تُظهر بيانات الإنتاج قفزة تتناسب مع حجم الإنفاق، إذ ظل المعدل قريبا من مستوياته السابقة، دون الاقتراب من الأهداف المعلنة برفع الإنتاج إلى 2 مليون برميل يوميًا، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كفاءة الصرف، وأوجه الإنفاق، وآليات المتابعة داخل المؤسسة.
الدفع بالإنابة
الأكثر إثارة للجدل، وفقا لمعلومات موثوقة تحصلت عليها فواصل، هو لجوء المؤسسة الوطنية للنفط إلى آلية “الدفع بالإنابة”، حيث جرى استخدام شحنات من النفط الخام مقابل تغطية التزامات مالية، في ظل غياب بيانات واضحة توضح حجم هذه العمليات، أو قيمتها الفعلية، أو كيفية إدراجها ضمن الحسابات الرسمية للمؤسسة.
وتُعد هذه الآلية نمطًا استثنائيًا للتمويل، ويقدم تساؤلات جدية حول مستوى الشفافية، وقيمة النفط المستخدم في المقايضة، والجهات المستفيدة، ومدى خضوع هذه العمليات للرقابة المالية والمحاسبية.
اختبار الشفافية
بين خطاب حكومي يرفع شعار الحوكمة، ورسالة تحذير من داخل المؤسسة، ووقائع تُظهر صرفا ماليا ضخما دون نتائج إنتاجية ملموسة، يقف قطاع النفط الليبي عند مفترق طرق حاسم. فإما الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة شفافة قائمة على الإفصاح والمساءلة، أو الاستمرار في دوامة الإنفاق دون أثر، بما يهدد المورد الرئيسي للدولة الليبية.
أسئلة تظل مفتوحة: أين صُرفت المليارات؟ ولماذا لم يتحقق الهدف المعلن برفع الإنتاج؟ ولماذا جرى اللجوء إلى النفط الخام كأداة تمويل خارج الميزانية؟