الدولة أولاً.. لماذا يدور الحوار الليبي في حلقة مفرغة؟

في كل مرة يعلن فيها عن مسار سياسي جديد في ليبيا، يتجدد الأمل لدى البعض، ويتعمق الشك لدى آخرين. ومع إعلان بعثة الأمم المتحدة عن الحوار المهيكل، وتحديد محاوره الخمسة وجدول زمني يمتد من أربعة أشهر إلى ستة أشهر، عاد الجدل مجددًا حول جدوى هذا المسار، لا من حيث النوايا، بل من حيث المنهج وترتيب الأولويات.

قدمت البعثة الحوار عبر محاور الاقتصاد، والأمن، والحوكمة، والمصالحة وحقوق الإنسان، والانتخابات، وأكدت أن توحيد المؤسسات، وتشكيل حكومة واحدة، وجيش موحد، وميزانية وطنية واحدة، تمثل المدخل الرئيس لأي حل.
من حيث التشخيص، يصعب الاعتراض على هذه العناوين، فهي تمثل مكونات أي دولة حديثة. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في ما طرح، بل في كيف طرح، وفي الافتراض الضمني بأن هذه الملفات يمكن معالجتها بالتوازي، وقبل حسم سؤال الدولة ذاته.

في علم الاجتماع السياسي، الدولة ليست برنامجًا اقتصاديًا ولا خطة حوكمة ولا آلية انتخابية. الدولة هي الإطار السلطوي الجامع الذي يحتكر القرار والقوة والشرعية. فالاقتصاد لا يدار في الفراغ، بل يحتاج سلطة مالية موحدة وميزانية واحدة وقدرة حقيقية على الرقابة. والأمن لا يتحقق بالتفاهمات وحدها، بل باحتكار الدولة للعنف المشروع ووجود مؤسسة عسكرية وأمنية خاضعة لقيادة سياسية واحدة. أما الحوكمة وحقوق الإنسان، فلا تحميها النيات ولا البيانات، بل قضاء موحد وسلطة قادرة على فرض القانون. والانتخابات، مهما علق عليها من آمال، لا تنشئ الدولة، بل تفترض وجودها، وتعمل داخلها لا قبلها.

حين تطرح هذه الملفات في غياب الدولة، فإنها لا تؤدي بالضرورة إلى بنائها، بل تتحول غالبًا إلى نقاشات تقنية بلا حامل سياسي، وتوصيات بلا جهة تنفيذ. وهو ما يفسر لماذا انتهت معظم الحوارات السابقة إلى إعادة إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، رغم اتساع المشاركة وكثرة المبادرات.

لا يعني ذلك التقليل من أهمية ما تطرحه الأمم المتحدة أو مراكز البحث الدولية، ومنها الدعوات إلى دمج المسار الاقتصادي ضمن مسارات التسوية السياسية، فالاقتصاد في ليبيا ليس ملفًا تقنيًا محايدًا، بل أحد محركات الصراع، وقد أسهم منطق تقاسم وتوزيع الثروة بين المجموعات الحاكمة في تعميق الفساد والمحسوبية وتآكل قدرة الدولة على توفير أبسط الخدمات. غير أن تحويل المسار الاقتصادي إلى مدخل رئيسي للحل يظل محدود الجدوى ما لم يستند إلى سلطة سياسية موحدة قادرة على فرض الإصلاحات، لا مجرد التوافق عليها. فالاقتصاد في النهاية، نتيجة لقيام الدولة، لا بديل عنها.

هنا تبرز مفارقة المسار الأممي. فمن جهة، تعترف البعثة منذ سنوات بأن توحيد الجيش والميزانية شرط لا غنى عنه. ومن جهة أخرى، تستمر في إدارة هذه الأهداف عبر مسارات طويلة ومجزأة، تتجنب سؤال السلطة بشكل مباشر، خشية الاصطدام بقوى الأمر الواقع المسلحة وبالتدخلات الإقليمية والدولية المتعارضة المصالح. وبهذا المعنى، لا تسعى الأمم المتحدة إلى بناء الدولة بقدر ما تسعى إلى منع انهيار ما تبقى منها.

وتكتسب مدة الحوار، الممتدة من أربعة إلى ستة أشهر، دلالة خاصة في هذا السياق. فالزمن، في حد ذاته، ليس ضمانة للنجاح. بل قد يتحول، في غياب مرجعية تنفيذية واضحة، إلى عامل إطالة للأزمة، يمنح الفاعلين المسلحين هامشًا أوسع للمناورة، ويبقى الصراع في حالة إدارة مستمرة بدل تفكيكه. التجربة الليبية أثبتت أن الحوارات الطويلة، حين لا تؤطر بسلطة قادرة على فرض مخرجاتها، تنتهي غالبًا إلى تثبيت الوضع القائم لا تغييره.

الدعوة إلى “الدولة أولًا” لا تعني الدعوة إلى حكم القوة ولا تبرير سيطرة السلاح، كما قد يساء فهمها. بل تعني إدراك أن تجاهل موازين القوة القائمة أو القفز فوقها بالشعارات لا يؤدي إلى تفكيكها. بناء الدولة يقتضي تحويل هذه الموازين إلى سلطة سياسية شرعية واحدة، تخضع السلاح للقانون، لا أن تبقى رهينة له.

وفي مجتمع تحكمه الولاءات القبلية والجهوية، لا يمكن انتظار نشوء مواطنة مكتملة من القاعدة إلى القمة. التجارب المقارنة تظهر أن بناء الدولة في مثل هذه السياقات يتم عبر نخبة سياسية قائدة، تمتلك رؤية واضحة، وتحظى بحد أدنى من القبول الشعبي، وقادرة على فرض قواعد اللعبة الجديدة، لا عبر توافقات فضفاضة تدار بالخوف المتبادل. نخبة لا تحكم بمنطق الغنيمة، ولا تختبئ خلف شعارات مدنية شكلية، بل تدرك أن المرحلة التأسيسية تقتضي الحزم بقدر ما تقتضي الشرعية، وتعمل على بناء تحالف شعبي تدريجي يعيد تعريف المواطنة والثقة العامة.

أما الانتخابات، التي تطرح مجددًا بوصفها أساس السلطة القادمة، فهي خطوة مكملة لا مدخلًا سحريًا. فالانتخابات دون دولة موحدة وقانون واحد وأمن قادر على حماية النتائج، لا تنتج شرعية، بل تعمق الانقسام. وهي تتويج لمسار بناء الدولة، لا بدايته.

المشكلة في ليبيا، إذن، ليست نقصًا في المبادرات ولا غيابًا في الرؤى، بل في ترتيب الأسئلة. حين يؤجل سؤال الدولة باسم الواقعية، تتحول الواقعية إلى تبرير دائم للجمود. وحين يطلب من المجتمع أن يتوافق في غياب سلطة قادرة على حماية هذا التوافق، يحمل ما لا يحتمل.

الدولة ليست محطة أخيرة في مسار الحوار، بل شرطه الأول. وما لم يحسم هذا السؤال بوضوح وشجاعة سياسية، ستبقى الحوارات، مهما تنوعت مسمياتها وطالت مددها، تدور في الحلقة نفسها: إدارة طويلة لأزمة بلا أفق، في بلد لا يعاني نقصًا في الحوارات، بل غياب الدولة.

Related posts

السني: ليبيا ترفض توطين المهاجرين والأمم المتحدة تنفي وجود أي خطط لذلك

رصد الجرائم: توثق قتلى مدنيين و11 حالة اعتقال تعسفي في شهر مايو

بعد لقاء أردوغان وتشياني.. تركيا والنيجر توقعان اتفاقيات لتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي