بعد تولي علي زيدان رئاسة الحكومة، كتبتُ مقالًا عن محاربة الفساد. لم يكن المقال بطابع هجومي، ولا كان بأسلوب موعظة أخلاقية، بل محاولة القول إن الدولة لا تنهض إلا عندما يصبح الفساد استثناء لا قاعدة.
بعد نشر المقال بساعات، رنّ الهاتف. كان المتصل رئيس الوزراء نفسه.
قال لي بنبرة ودية: قرأت المقال وأعجبني، وتحدثت اليوم مع الوزراء عن الموضوع وحذرتهم من الفساد.
شكرته، ثم قلت له جملة قصيرة ربما بدت له غريبة بعض الشيء:
الموضوع ليس وعظًا يا دكتور، الموضوع توجه للحكومة… وإجراءات.
ذلك الحوار القصير ظل عالقا في ذهني لسنوات.
لأنه ببساطة يختصر مشكلة كاملة في إدارة الدولة، فعندنا: كثير من الكلام عن الفساد، وقليل جدا من الآليات والإجراءات الصحيحة التي تمنعه.
لهذا تذكرت تلك القصة وأنا أرى خطاب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة يتحدث فيه عن الفساد ويحذر منه.
المشهد كان مألوفا: خطاب واضح، نبرة حازمة، وكلمات لا يختلف عليها أحد، لكن مواقع التواصل لا تحب التفاصيل، ولا تميل إلى التفكير الهادئ، فسرعان ما تحول المقطع إلى مادة للسخرية، وبدأ الربط السريع بين الكلام والواقع الذي يعرفه الناس.
الحقيقة أن السخرية، رغم طرافتها، لا تشرح شيئا، فالمشكلة في ليبيا ليست فقط في أن مسؤولا يتحدث عن محاربة الفساد بينما الواقع يبدو مختلفا.
لا شك أن المشكلة الأعمق تلك المسافة بين القناعة الأخلاقية والقدرة السياسية.
هناك فرق كبير بين أن يرفض المسؤول الفساد في داخله، وبين أن يمتلك الأدوات التي تجعله قادرا على مواجهته.
سمعت من شخصية كانت مقربة من عبدالحميد الدبيبة يقول إن الرجل لا يقبل الفساد كقيمة، ولا يحب التطبيع معه بوصفه أمرا طبيعيا.
السياسة، للأسف، ليست اختبارا للنوايا الحسنة. إنها اختبار للقدرة على إدارة واقع معقد.
في التجربة الليبية تحديدا، لا يصل أحد إلى السلطة في فراغ، فهناك شبكات مصالح، وتحالفات، وأشخاص يرون الدولة بوصفها فرصة أكثر منها مسؤولية. هذه الشبكات لا تظهر في الخطب الرسمية، لكنها موجودة في تفاصيل القرار اليومي.
وهنا تبدأ المعضلة، فالمسؤول قد يدخل السلطة وهو يحمل فكرة معينة عن الادارة والعمل، لكنه يجد نفسه سريعا داخل منظومة تعمل بمنطق مختلف.
منطق التوازنات، والترضيات، والصفقات الصغيرة التي تتحول مع الوقت إلى قاعدة عمل، ولا يحدث ذلك دائمًا لأن المسؤول يريد الفساد، بل لأن البيئة السياسية تجعله يتعايش معه تدريجيًا.
خطوة صغيرة اليوم، وأخرى غدا… حتى يصبح الواقع أقوى من النوايا. لكن الفساد لا يهزم بهذه الطريقة التي تعتمد الشعاراتية، فالفساد لا يتراجع لأننا نكرهه، ولا لأنه موضوع دائم في الخطب الرسمية.
الفساد يتراجع فقط عندما تتحول القيم إلى نظام عمل: قوانين واضحة، إجراءات صارمة، مؤسسات رقابية فعالة، وشفافية تجعل المال العام مكشوفا لا غامضا.
غير ذلك، يبقى الكلام مجرد خطاب أخلاقي جميل… لا أكثر. ربما تمر على الإنسان لحظات في حياته تدفعه إلى مراجعة نفسه: المرض، الفقد، أو تلك اللحظة التي يشعر فيها بأن الوقت ليس مفتوحا كما كان يظن.
كثير من السياسيين يكتشفون في تلك اللحظات أن السلطة، بكل ضجيجها، ليست الشيء الوحيد المهم في الحياة، لكن حتى هذه المراجعات، مهما كانت صادقة، لا تغير الواقع إذا بقيت في مستوى الشعور.
في السياسة، لا يكفي أن يكره المسؤول الفساد، إن التحدي الحقيقي أن يبني نظاما لا يسمح له بالعيش وقبل بناء النظام أن تتأسس في المجتمع قناعة وثقافة أن تودي الحال ناتج من الفساد وإنكاره يساهم في تراجعه أما التطبيع معه فسيزيد الواقع سوء.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الأهم اليوم:
هل المسؤول ضد الفساد أم لا؟ إن السؤال الأصعب هو:
هل هناك مشروع حقيقي يحول هذه القناعة إلى قواعد عمل… أم أن الدولة ستظل تعتمد على ضمير الأفراد؟
لأن الدول، في النهاية، لا تحكم بالنيات الطيبة، فالدول تحكم بالأنظمة.