جدوى المسار الأممي في ليبيا في ظل الواقع العسكري

شهدت “القيادة العامة” تعيينات في مواقع قيادية عليا، جاءت في توقيت حساس يتقاطع مع ملفات سياسية مطروحة على طاولة الحوار، ومع إحاطة مرتقبة لمجلس الأمن بشأن المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية.

هذه القرارات لم تُقدَّم في إطار نقاش واسع أو وفق آليات قانونية متعارف عليها في القوانين العسكرية والدستور المؤقت، بل بدت أقرب إلى قرارات مباشرة تعكس منطق سياسة الأمر الواقع.

القانون والمرجعيات

يُفترض أن اتفاق اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) هو المرجعية لتوحيد المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، لكن التعيينات الأخيرة طرحت تساؤلات حول مدى الالتزام بهذه المرجعية: هل هي مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل البنية العسكرية؟ أم تعزيز لنفوذ عائلة حفتر والدوائر الضيقة؟ وفي جانب آخر، يبرز سؤال حول ما إذا كانت تلك التعيينات محاولة لفرض استقرار داخلي عبر تحصين المواقع الحساسة.

سياسي وأممي

لا يمكن فصل القرارات العسكرية عن المسار السياسي، فهي تتقاطع مع ملف الانتخابات المؤجّلة، ومع حوار وطني لم تتضح ملامحه بعد، إضافة إلى تراجع أدوار السياسة عموماً في ظل صلاحيات تشريعية مشتّتة بين مجلسي النواب والدولة.

في المقابل، تقف بعثة الأمم المتحدة أمام مشهد يتغير بسرعة، لكنها تبدو أقرب إلى موقع المتابع منه إلى الفاعل. ويعود ذلك إلى عدة عوامل:

-انقسام داخل مجلس الأمن بين قوى دولية تدفع نحو الانتخابات وأخرى تفضّل بقاء الوضع القائم.

-غياب أدوات تنفيذية للقرارات الأممية في ظل عدم وجود قوة على الأرض أو آلية إلزامية.

-تضارب الضغوط الدولية، حيث تنظر القوى الكبرى إلى ليبيا من زوايا مصالحها: النفط، الهجرة، الأمن الإقليمي.

هذا الواقع يضعف قدرة البعثة على لعب دور الوسيط الفعّال، ويجعل جدوى مسارها الأممي موضع تساؤل.

أبعاد اجتماعية

لا تقتصر انعكاسات التعيينات العسكرية على الأبعاد القانونية أو التنظيمية، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي.

فاستبعاد شخصيات بارزة مثل اللواء عبد الرزاق الناظوري لا يُقرأ فقط كمناورة داخلية، بل يُعد رسالة إلى مكونات قبلية في الشرق، خاصة قبائل الدرسة والعواقير والعبيدات والعرفة، التي اعتبرت الناظوري أحد ممثليها الرئيسيين.

هذا البعد يكشف أن استقرار المؤسسة العسكرية ليس مجرد نتاج قرارات قيادية، بل مرتبط بتوازنات قبلية ومناطقية قد تتأثر سلباً أو إيجاباً بمثل هذه التغييرات.

اقتصاد موازٍ

يتجاوز أثر التعيينات العسكرية الجانب الأمني إلى المجال الاقتصادي. فصعود كيانات اقتصادية مثل صناديق التنمية وتأسيس شركات نفطية خاصة مثل شركة “أركنو”، يعكس تزاوج النفوذ العسكري مع قطاعات حيوية، وعلى رأسها النفط.

هذا التداخل يفتح الباب أمام اقتصاد موازٍ خارج الإطار الرسمي، بما قد يقوّض قدرة الدولة على إدارة مواردها الوطنية، ويزيد من هشاشة الاقتصاد الليبي الذي يعاني أصلاً من اختلالات بنيوية.

تداعيات وسيناريوهات

أمام هذا المشهد، يمكن تصور عدة مسارات:

-السيناريو الأول: نجاح حفتر في ضبط المؤسسة بالشرق وإحكام سيطرته، ما يوفّر استقراراً داخلياً نسبياً لكنه يكرّس الانقسام الوطني.

-السيناريو الثاني: تصاعد التوتر داخل المؤسسة نتيجة استبعاد قيادات أو فقدان توازنات قبلية، ما يضعف البنية العسكرية نفسها ويزيد الانقسام.

-السيناريو الثالث: تدخل دولي/إقليمي محدود عبر ضغوط على البعثة الأممية أو الأطراف الليبية، لكن من دون قدرة على فرض تسوية حقيقية.

التعيينات العسكرية

في المحصلة، تطرح التعيينات العسكرية الأخيرة أسئلة أكثر مما تقدّم إجابات:

-هل نحن أمام إعادة هيكلة جادّة للمؤسسة العسكرية أم مجرد ترسيخ لحكم العائلة؟

-هل تسهم هذه التغييرات في تعزيز فرص الاستقرار أم تُضعف جهود التوحيد الوطني؟

-وكيف سينعكس ذلك على موقف مجلس الأمن وردود الفعل الإقليمية والدولية؟

إن استمرار القرارات الأحادية بمنطق القوة يضع البعثة الأممية أمام اختبار جدوى وجودها ذاته، ويطرح على الداخل الليبي تحدياً أكبر: هل يمكن بناء مسار سياسي جامع بينما تُعاد صياغة السلطة الفعلية على الأرض بقرارات عسكرية فوقية؟

Related posts

تزامنا مع الجدل في ليبيا.. تقرير إيطالي يكشف انخفاض عدد المهاجرين إلى إيطاليا خلال النصف الأول من 2026

بعد لقاء أردوغان وتشياني.. تركيا والنيجر توقعان اتفاقيات لتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي

الخارجية الإيطالية: النيابة العامة في بنغازي تمدد حبس إيطاليين مشاركين في القافلة المتجهة إلى غـ.زة