كشفت مرتبات شهر سبتمبر 2025 لوزارة الخارجية، التي حصلت فواصل على نسخة منها، عن استمرار الضغط على موارد الدولة بالعملة الصعبة، في وقت لم تعد فيه مراقبة فاتورة العمالة المحلية في البعثات الدبلوماسية ترفًا محاسبيًا، بل ضرورة لفهم كيفية إدارة الإنفاق الخارجي.
وتشمل البيانات مرتبات العمالة المحلية فقط لشهر واحد، وفق سعر الصرف المعتمد لدى الوزارة للتحويلات، ما يسمح بإجراء قراءة مقارنة بين البعثات المختلفة من زاوية مالية بحتة.
وعند تحليل الكشوفات، يبرز تباين واسع في إجمالي الصرف الشهري، ما يطرح تساؤلات حول وجود معايير موحدة للعقود المحلية وجدولة الالتزامات المالية.
أعلى بعثات
وتصدّرت سفارة لندن قائمة أعلى المرتبات بعد الضريبة 1.58 مليون دينار مقابل 1.38 مليون دينار مرتبات أساسية، بفارق كبير عن بقية البعثات.
وجاءت دوسلدورف في المرتبة الثانية بتكلفة تجاوزت 512 ألف دينار، تلتها مسقط بنحو 470 ألف دينار، ثم روما بـ346 ألف دينار، وفاليتا بـ335 ألف دينار، فيما تقاربت القاهرة وواشنطن بتكلفة بلغت نحو 334 ألف دينار و318 ألف دينار على التوالي.
ويُظهر هذا التفاوت أن الفروق لا ترتبط بالضرورة بعدد الموظفين فقط، بل تعكس، وفق قراءة محاسبية للبيانات، اختلافات في آليات التعاقد وتسوية المستحقات بين بعثة وأخرى.
هيكل وظيفي
خلف هذه الأرقام هيكل توظيف متنوع، إذ تتراوح الرواتب بين نحو 650 دولارًا للوظائف الخدمية، وتصل إلى قرابة 3,000 دولار لخبراء ومستشارين محليين.
ويثير هذا التفاوت تساؤلات بشأن معايير التقييم والتعاقد، خصوصًا عند مقارنته برواتب كوادر دبلوماسية داخل البلاد.
وتُظهر بيانات بعثات في أبوظبي ودبي توظيف جنسيات متعددة، من بينها الهند وسوريا والفلبين ولبنان وباكستان، وهو تنوع قد تفرضه اعتبارات فنية في بعض الحالات، لكنه في الوقت نفسه يرفع من حجم الإنفاق بالدولار على العمالة الأجنبية.
عبء ضريبي
تعتمد وزارة الخارجية سعر صرف ثابت للتحويل يبلغ 5.41 دينار للدولار، إلا أن الكلفة النهائية لا تقتصر على الأجور الأساسية، إذ يضاف إليها نظام ضريبي بنسبة 15% يُحتسب بالدينار وتتحمله الخزانة العامة.
وفي سفارة القاهرة، بلغ العبء الضريبي المضاف أكثر من 50 ألف دينار فوق أصل المرتبات البالغ 334,606 دنانير، ما يرفع التكلفة الإجمالية للتمثيل الخارجي بصورة ملموسة.
وتبرز قنصلية دوسلدورف كنموذج لآلية تسوية مالية مكثفة، إذ تقاضى أحد العاملين راتبًا أساسيًا قدره 2,950 دولارًا، وصُرف له في شهر واحد مبلغ إجمالي بلغ 165,740.300 دينار نتيجة تجميع مستحقات تسعة أشهر، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من فاتورة بعثات كاملة خلال الشهر نفسه.
خلاصة رقابية
تُظهر البيانات نمطًا متكررًا من تراكم المستحقات، وغياب سقوف واضحة للعقود المحلية، واعتماد آليات ضريبية تزيد من الكلفة النهائية للتمثيل الخارجي.
ويشير هذا المسار إلى الحاجة لمراجعة شاملة لمنظومة التوظيف والتسويات المالية في البعثات، تشمل وضع جداول زمنية للصرف، ومعايير موحدة للتعاقد، وآليات رقابة مسبقة ولاحقة أكثر فاعلية.
وستتابع فواصل ما إذا كانت وزارة الخارجية أو الجهات الرقابية ستفتح مراجعة رسمية لهذه الكشوفات، أو تقدم توضيحات بشأن الأسس المعتمدة في إدارة هذه الفواتير.