دينارنا المكسور: بعد التخفيض… من يدفع ثمن “اختبار الثقة”؟

في الأزمات الاقتصادية، لا تأتي الصدمات مباغتة كما يظن البعض، بل تسبقها دائمًا إشارات واضحة لمن يمتلك أدوات القراءة الصحيحة. لكن بالنسبة للمواطن العادي، فإن قرار مصرف ليبيا المركزي الأخير بتخفيض قيمة الدينار (القرار رقم 18 لسنة 2025) لم يكن مجرد إجراء فني، بل طعنة جديدة في قوته الشرائية. فالمشكلة لا تكمن في الرقم الجديد لسعر الصرف فقط، بل في الخوف القادم، وفي كيفية تفاعل السوق والدولة مع مرحلة عنوانها العريض: “اختبار الثقة”… اختبار يدفع المواطن ثمنه وحده.

انهيار متسارع

منذ عام 2020، خضع سعر صرف الدينار الليبي لثلاثة تعديلات رئيسية. الأخطر أن آخر تعديلين حصلا خلال أقل من سنة واحدة، ما يعكس حالة ارتباك لا استقرار. وبلغة الأرقام الباردة، فإن الدينار خسر قرابة 80% من قيمته مقارنة بما كان عليه في 2020. هذا ليس مجرد تراجع في العملة، بل انهيار تدريجي في دخل المواطن وأمانه الاقتصادي.

يتحول لسراب
يراقب الاقتصاديون الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، لكن المواطن يراقب سعر كيس الدقيق وعلبة الدواء. وعندما تتجاوز هذه الفجوة عتبة 20 إلى 25 في المئة، فهذا لا يعني فقط أن الدينار يفقد قيمته، بل أن راتب الموظف فقد ثلث قوته الشرائية في لحظة واحدة، وأن المدخرات تحولت إلى سراب. التجربة الليبية منذ عام 2014 تؤكد أن هذه الفجوة هي الوقود الحقيقي للمضاربة، والمؤشر الأصدق على فشل السياسات النقدية في حماية جيب المواطن.

الارتفاع والهلع

الخطر الأكبر ليس في السعر المرتفع وحده، بل في وتيرة تغيّره. فارتفاع الدولار ببطء يمنح السوق فرصة للتكيف، أما القفزات السريعة فهي إعلان غير مباشر عن حالة هلع، تُترجم فورًا إلى جشع غير مبرر. وحين يبدأ الدولار بالتحرك يوميًا لا أسبوعيًا، فهذا يعني أن السوق لم يعد يستجيب لأي سلطة، بل أصبح المضارب هو من يفرض إيقاع القلق على كل رب أسرة.

المصارف تعكس القلق

في ليبيا، لا تحتاج إلى تقارير دولية لتعرف حالة الاقتصاد؛ يكفي أن تراقب طوابير المواطنين أمام المصارف. تقييد السحب، وتأجيل فتح الاعتمادات، والتشدد غير المعلن في الحوالات، كلها إشارات على توتر بنيوي داخلي. المصارف لا تقلق عبثًا، لكنها حين تشعر بالخطر، يدفع المواطن الثمن من حقه في الوصول إلى أمواله ومدخراته.

الدينار ذو الوجهين
بسبب شح السيولة النقدية، أصبح للدينار الليبي قيمتان: قيمة على الورق في الحساب المصرفي، وقيمة أخرى في يد المواطن كاش. الفارق، الذي يتراوح بين 15 و20 في المئة عند بيع الصكوك مقابل النقد، هو في الحقيقة خصم إجباري من راتب المواطن ليتمكن من تلبية احتياجاته الأساسية. والمفارقة المؤلمة أن أغلب التجار لا يسعرون سلعهم على أساس سعر الكاش، بل على أساس سعر الصك، أي على القيمة “الأعلى”، فيدفع المواطن ثمن الفارق مرتين: مرة حين يسحب أمواله، ومرة حين يشتري بها ضروريات حياته.

الخوف من المجهول
في ذروة الأزمات، لا يُعد الصمت الرسمي طمأنة، بل فراغًا معلوماتيًا قاتلًا تملؤه الشائعات. غياب البيانات الدقيقة، أو الاكتفاء بعبارات عامة، يفتح الباب أمام المضاربين ويضعف الثقة أكثر من أي قرار اقتصادي قاسٍ. الأسواق لا تخشى الحقيقة، بل تخشى الغموض.

يسبق المواطن
التاجر ليس أذكى من المواطن، لكنه أكثر حساسية لمؤشرات الخطر. وعندما يبدأ التسعير المسبق والتخزين غير المبرر وربط الأسعار بالدولار قبل الاستيراد، فهذا تعبير عن قراءة مبكرة لفشل الدولة في إدارة الأزمة. التاجر يهرب من الخسارة، ويترك المواطن يواجه تضخمًا يلتهم دخله بين ليلة وضحاها.

ثروة لا تصل
في اقتصاد ريعي كالاقتصاد الليبي، يظل أي اضطراب في إنتاج النفط أو تصديره إنذارًا فوريًا لسعر الصرف، ننام على بحر من النفط ونستيقظ على فقر مدقع، فالحديث عن إصلاحات نقدية دون استقرار التدفقات النفطية يشبه محاولة سد ثقب في سفينة تتسرب إليها المياه من القاع.

الفساد ينهش
لا يمكن الحديث عن تدهور العملة دون تسمية أحد أبرز أسبابه: الفساد. فالهدر المنظم للمال العام، والاعتمادات الوهمية، والإنفاق خارج الرقابة، كلها تضغط على الدينار أكثر من أي عامل خارجي. حين تتحول الدولة إلى قناة لتسريب الثروة بدل حمايتها، فإن المواطن يدفع الثمن مرتين: مرة من قيمة عملته، ومرة من مستقبله. الفساد هنا ليس عرضًا جانبيًا للأزمة، بل أحد محركاتها الأساسية.

المسكنات لا تعالج
قد يكون تخفيض قيمة الدينار مبررًا من زاوية فنية، لكنه يظل إجراءً دفاعيًا لا علاجًا جذريًا. فبدون ميزانية موحدة تنهي الصراع على المال العام، ومحاربة حقيقية للفساد، وضبط صارم للإنفاق، وتنسيق فعلي بين السياستين المالية والنقدية، ستظل المؤشرات الحمراء تضيء تباعًا حتى يفقد المواطن قدرته على الصمود.

الاقتصاد لا ينهار فجأة، بل يرسل برقيات انهياره مسبقًا. لكن هذه المرة، الانهيار ليس في الأرقام فقط، بل في ثقة المواطن بمؤسساته.

 

زكريا الطلحي

صحفي وكاتب

Related posts

بعد لقاء أردوغان وتشياني.. تركيا والنيجر توقعان اتفاقيات لتعزيز التعاون الاقتصادي والدفاعي

الخارجية الإيطالية: النيابة العامة في بنغازي تمدد حبس إيطاليين مشاركين في القافلة المتجهة إلى غـ.زة

خاص فواصل: تعيين ديفيد لينفيلد مسؤولاً جديداً للملف السياسي والاقتصادي بالسفارة الأمريكية لدى ليبيا