طرابلس على صفيح ساخن.. هل تلوح الحرب من جديد؟

رغم الهدوء النسبي الذي تعيشه العاصمة طرابلس، فإن المؤشرات الأخيرة تنذر بانزلاق محتمل نحو مواجهة مسلحة جديدة، في ظل تصاعد التوتر السياسي، واستعراض القوة من قبل الأطراف الفاعلة، وتحذيرات أممية من تفجّر الأوضاع في أي لحظة.

 

البعثة تحذّر

أطلقت بعثة الأمم المتحدة تحذيرًا صريحًا من التصعيد في طرابلس، ودعت إلى ضبط النفس وتجنّب اللجوء إلى العنف لحل الخلافات السياسية. جاء هذا التحذير الأممي عقب ورود معلومات عن تحركات ميدانية مقلقة تعيد إلى الأذهان مشاهد المواجهات السابقة التي شهدتها العاصمة قبل أسابيع.

 

لغة القوة

لوّح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، قبل أيام، باستخدام القوة لبسط “سلطة الدولة”، مجددًا تمسّكه بإتمام الخطة الأمنية الرامية إلى تفكيك المجموعات المسلحة، وإخضاع المنافذ الحيوية—كمطار معيتيقة، والميناء، والسجون—للجهات النظامية.

 

وأكد أن حكومته لن تتراجع عن هذه الخطة، مشيرًا إلى أن “من لا يريد الحرب، فعليه أن يمتثل للدولة”. كما اتّهم بعض التشكيلات المسلحة بتوريد أسلحة عبر طائرات خاصة من الخارج من دون علم الدولة، واصفًا إياها بـ”العصابات الإجرامية” الخارجة عن القانون، ومشيرًا إلى أن ما تقوم به هو “انقلاب على الدولة، لا على الحكومة”.

 

وشدّد الدبيبة أيضًا على ضرورة تسليم المطلوبين للنيابة العامة، مؤكدًا تحمّله الشخصي مسؤولية إدارة المناطق والسجون بعد خروج هذه التشكيلات منها.

 

الأطراف الأخرى

في المقابل، لا تُخفي الأطراف المناوئة للدبيبة رفع وتيرة استعدادها. وتشير تقارير ميدانية إلى تحركات عسكرية وإعادة تموضع، كما لوحظت زيارات ولقاءات بين قيادات عسكرية ووسطاء محليين، ما يعزّز فرضية أن خيار المواجهة العسكرية لا يزال مطروحًا.

 

تركيا وروسيا

في المشهد الأوسع، تظل تركيا وروسيا فاعلين رئيسيين في توازن القوى. فأنقرة، التي تحتفظ بقوات ومعدات عسكرية في غرب ليبيا، لا تزال تقدّم دعمًا أمنيًا لحكومة الدبيبة، وإنْ كانت تحافظ على موقف سياسي أكثر حذرًا.

 

في المقابل، تحتفظ روسيا، التي تتمدد عبر قوات “فاغنر السابقة”، بنفوذ مؤثر في المنطقتين الوسطى والجنوبية، ولها علاقات وثيقة بالقيادة العامة في الشرق، ما يجعل أي تصعيد في طرابلس مرهونًا أيضًا بحسابات موسكو.

 

ورغم تضارب المصالح، أظهرت موسكو وأنقرة مؤخرًا توافقًا على استخدام نفوذهما لتهدئة الساحة الليبية ومنع انزلاقها إلى مواجهة شاملة، في مسعى للحفاظ على حالة “اللا حرب” التي تتيح لهما إدارة مصالحهما وتعزيز حضورهما دون تكاليف صدام مباشر. غير أن فعالية هذا التوافق ستُختبر فعليًا إذا ما تفجّرت الأوضاع في طرابلس، وبدأت الحسابات الميدانية تطغى على التفاهمات السياسية.

 

مواقف إقليمية

من جانب آخر، تنقسم المواقف الإقليمية بين داعم ومترقّب؛ إذ تبدي كل من مصر والإمارات دعمًا غير معلن لمعارضي الدبيبة، بينما تميل قطر إلى دعم مسار الاستقرار وبقاء حكومة طرابلس، في حين تتخذ الجزائر موقفًا محايدًا من جميع الأطراف.

 

لكن حتى الآن، لم تُسجَّل أي تحركات علنية من هذه الدول، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة وفاعلون غربيون تفادي انفجار جديد قد يُجهض فرص التسوية.

 

هدنة تحت الاختبار

بعد الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها طرابلس، لعب المجلس الرئاسي دورًا بارزًا في احتواء التصعيد، بالتنسيق مع بعثة الأمم المتحدة، حيث تم تشكيل لجان مشتركة للتهدئة نجحت في فرض هدنة لا تزال صامدة حتى الآن.

 

وقد منح هذا التحرك المجلس، بصفته القائد الأعلى للجيش، مساحة سياسية وأمنية للتحرك، رغم محدودية أدواته على الأرض. ومع تصاعد التحذيرات من اندلاع مواجهة جديدة، يُطرح التساؤل: هل يتمكن المجلس من تثبيت هذه التهدئة الهشّة وتجنيب العاصمة ويلات حرب جديدة؟ أم أن التوازنات العسكرية المعقدة وتعدّد مراكز النفوذ ستُطيح بأي جهد لفرض استقرار مستدام؟

Related posts

الخارجية الإيطالية: النيابة العامة في بنغازي تمدد حبس إيطاليين مشاركين في القافلة المتجهة إلى غـ.زة

إيران تستخلص الدرس الخاطئ من تجربة ليبيا

الأمم المتحدة: تدفق الأسلحة من ليبيا إلى دول الجوار يفاقم عدم الاستقرار ويغذي العنف