غياب الآليات يهدد نجاح الخارطة الأممية في ليبيا

تأتي خارطة الطريق الجديدة التي قدمتها المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي في أغسطس الماضي، لتشكل محاولة جديدة لإحياء المسار السياسي المتعثر في البلاد.

المسار الجديد الذي أطلقته البعثة الأممية يهدف إلى إنهاء المراحل الانتقالية المتتالية، عبر إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال فترة لا تتجاوز 18 شهراً، مع التأكيد على ضرورة توحيد المؤسسات الليبية.

غياب الآليات

رغم الترحيب الدولي بالخارطة، تواجه البعثة عقبة رئيسية تتمثل في غياب آلية واضحة لتشكيل الحكومة فالمبادئ الواردة في الخطة الأممية تشير إلى تشكيل حكومة موحدة، لكنها لا تحدد من يختار الحكومة، وكيفية منحها الثقة، أو دور البرلمان ومجلس الدولة في صياغة التشريعات اللازمة، ما يثير تساؤلات حول قابلية تنفيذ الخارطة دون اتفاق مسبق بين المجلسين.

المخاوف والعقبات

تواجه البعثة عقبات كبيرة تعرقل إمكانية تطبيقها بسلاسة، أبرز هذه العقبات يتمثل في غياب آلية واضحة لتشكيل الحكومة، وهو ما يفتح المجال للتأويل ويطرح تساؤلات حول كيفية اختيارها ومن سيمنحها الثقة.

كذلك، تظل البيئة الأمنية في طرابلس وبعض المناطق الأخرى تهدد أي مسار سياسي، حيث تسجل المدينة مؤخراً تحركات عسكرية متقطعة وتصعيدات أمنية قد تعرقل تنفيذ الخارطة.

إلى جانب ذلك، تلعب المعوقات الاقتصادية دورًا كبيرًا في نجاح أي حكومة مقبلة، إذ أن توحيد الميزانية وترتيبات المصرف المركزي يشكلان حجر زاوية في استدامة أي إدارة جديدة، في حين أن عدم وضوح تسلسل الانتخابات والمعايير الانتخابية يضيف بعدًا آخر لتعقيد المشهد.

مواقف المجلسين

وفي هذا الإطار، علق عضو مجلس النواب، علي الصول لفواصل، على آلية نجاح الخطة الأممية، مؤكداً أن البعثة ليست جادة في دعم الاستقرار وتوحيد المؤسسات في ليبيا، مشيرًا إلى أن الوضع الهش في طرابلس ووجود سلطة أمر واقع تتحكم بالمال يعقدان المسار. وأوضح الصول أن نجاح خارطة الطريق مرتبط بـ توافق دولي حقيقي وجدية في التنفيذ، وفرض عقوبات على المعطلين لتشكيل حكومة موحدة جديدة.

من جانبه، شكل المجلس الأعلى للدولة، لجنة خاصة لدراسة الخارطة الأممية والإطار القانوني المرافق لها، وأكد عضو المجلس مسعود عبيد لفواصل أن اللجنة تقترب من إنهاء تقرير مفصل يتضمن توصيات واضحة بشأن الخارطة، في خطوة تهدف إلى ضمان مشاركة المجلس الفاعلة وعدم تهميش دوره في أي تسوية سياسية مستقبلية.

ويظهر من المواقف أن كلا المجلسين يسعى لضمان توافق داخلي قبل أي خطوات تنفيذية، وهو ما يضع البعثة أمام تحدٍ مزدوج: تسهيل العملية السياسية مع الحفاظ على حيادها، وفي الوقت نفسه دفع الأطراف الليبية نحو اتفاق سريع.

السيناريوهات المحتملة

تنبثق عدة سيناريوهات محتملة لمسار البعثة الأممية، فالسيناريو الأول يتمثل في توافق مشروط يقوده المجلسان، حيث يتم الاتفاق على آلية مشتركة لاختيار الحكومة ونيل الثقة، مع ضمان توافق على التسلسل الانتخابي والمعايير القانونية، مما يعزز فرص نجاح الخارطة.

أما السيناريو الثاني، فهو مساومة ممتدة حول تشكيل الحكومة، حيث يتحول التركيز إلى من يحكم الآن بدلاً من ترتيب الانتخابات، ما قد يؤدي إلى تمديد المرحلة الانتقالية وتعطيل خارطة الطريق.

في حين يتمثل السيناريو الثالث في تعثر المؤسسات وتوسيع الحوار، في حال فشل التوافق بين المجلسين، فتلجأ البعثة إلى توسيع الحوار ليشمل أطرافاً محلية ومجتمعية أوسع، وهو ما يزيد من كلفة التعطيل ويخلق مساراً سياسياً غير حصري بالمجلسين، لكنه يحافظ على ديناميكية سياسية داخلية وخارجية.

فرص النجاح

تظل فرص نجاح خارطة الطريق مرهونة بقدرة مجلسي النواب والدولة على الاتفاق سريعا على آلية اختيار الحكومة وتوافقهم على الترتيبات، وأي تصعيد أمني أو خلاف حول التسلسل أو المعايير الانتخابية سيضعف مسار البعثة ويزيد من تعقيد الوضع السياسي.

فكيف يمكن للبعثة تنفيذ الخارطة في ظل غياب آلية واضحة لتشكيل الحكومة؟ وهل سيستطيع المجلسان الاتفاق على آلية وحماية دورهما في أي تسوية سياسية مستقبلية؟

Related posts

الخارجية الإيطالية: النيابة العامة في بنغازي تمدد حبس إيطاليين مشاركين في القافلة المتجهة إلى غـ.زة

إيران تستخلص الدرس الخاطئ من تجربة ليبيا

خاص فواصل: تعيين ديفيد لينفيلد مسؤولاً جديداً للملف السياسي والاقتصادي بالسفارة الأمريكية لدى ليبيا