في ذكرى الاستقلال، وبين نهاية سنة كبيسة وبداية آخرى، لا يبدو السؤال الليبي: ماذا حققنا؟
بل: كيف انتهينا إلى واقعٍ سياسي تُدار فيه البلاد بتدخل خارجي، وسلطةٍ مفتّتة، يحتمي كل طرف فيها بحامٍ من الخارج؟
الاستقلال، في حدّه الأدنى، هو السيادة، وأما اليوم فقد ارتهنت السلطة في ليبيا للخارج، وقدّمت له القرار والموارد والشرعية مقابل البقاء، وفي سبيل هذا البقاء، تُستنزف ثروات الدولة، وتُفرغ المؤسسات من معناها، ويُمارس على المجتمع فن الإهانة بوصفه سياسة حكم مقابل الانبطاح للخارج بالكلية.
ليست المشكلة في الانقسام السياسي فحسب، بل في انفصال السلطتين عن الواقع. فكل سلطة تعيش في نسختها الخاصة من الحياة، نسخة لا تشبه حياة الناس إلا في الاشتراك القسري في الحيز الجغرافي. شرقًا وغربا، لا تنافس على إنقاذ الإنسان، بل سباق محموم على استنزاف الأموال بلا سقف، فيما تتحول المشاريع إلى ديون على المواطن وهي في نفس الوقت إدارة النفوذ ونهب الأموال لا لبناء أثر حقيقي.
ومن مفارقات هذا المشهد، أن أي “إنجاز” تعلن عنه سلطة، يتحوّل فورا إلى مادة لحملتين متوازيتين: حملة رسمية للتسويق المفرط، وأخرى مضادة للتهوين والسخرية. وبين الحملتين يضيع المعنى، ويغيب السؤال البديهي: ماذا تغيّر فعلا في حياة الناس؟ غالبا لا شيء، سوى ارتفاع منسوب الضجيج.
السلطات هنا لا تدير واقعا، بل تدير روايات متصارعة، وكل رواية تحتاج دعاية أكثر مما تحتاج حلولا. أما الواقع، فيسير في اتجاه آخر تماما: موارد تُستنزف بوتيرة غير طبيعية، مؤسسات تُفكك أو تُفرغ من مضمونها، والإنسان يُطالَب بالصبر إلى أجل غير مسمّى.
ولعلّ أسوأ ما فُعل بالليبي في هذه الفوضى، هو قلب معيار القيمة: المتملّق يقترب، والكفء يُستبعد. لا لأن الكفاءة خطر، بل لأنها تفضح الفراغ. هنا يصبح ما تقوم به السلطة ليس مجرد سوء إدارة، بل إهانة بالمعنى الذي حدّده المفكر المهدي المنجرة.
فالمنجرة لم يرَ الإهانة حادثة عابرة، بل سياسة حكم مكتملة: أن يُطلب من الإنسان التعايش مع النهب بوصفه واقعا، ومع الفشل بوصفه إنجازا، ومع الاستنزاف بوصفه ضرورة وطنية. أن تُدار حياته بلا اكتراث، ثم يُطالَب بالتصفيق.
الإهانة لا تُمارس بالصوت العالي، بل بالبرود والروتين؛ بتكرار الخطاب نفسه، بالصور نفسها، بالوعود نفسها، كأن الزمن لا يتحرك، وكأن الناس بلا ذاكرة ولا كرامة. وحين تعجز السلطة عن الفعل، تُكثّف الدعاية، وحين يتّسع الفارق بينها وبين الواقع، تلوذ بالصمت والغياب، ويُختزل المواطن إلى عبءٍ عليه أن يصمت.
وفي التباين الصارخ تكمن الإهانة الكبرى: مسؤولون في بذخ وسفريات واحتفالات، بينما المواطن يواجه تضخم الأسعار، نقص الخدمات، وغلاء الدواء. تُجمَّل بعض المدن والأحياء لحماية صورة السلطة، ويُترك الباقي للفقر والتهميش.
هكذا تتحوّل السياسة إلى عرض علاقات عامة، والإدارة إلى مسرحية، والإهانة إلى واقع يومي، يُترجم في حياة المواطن إلى استنزافٍ متواصل لكرامته وصبره. صمتٌ يبدو ساكنًا، لكنه مشحون بغضبٍ مؤجَّل.
في عام ينقضي، يتأكد أن السلطة في ليبيا لم تعد تخشى المجتمع؛ فكل مركز نفوذ يحتمي بداعم خارجي، ولا يرى في الشارع مصدر شرعية أو مساءلة. لقد أُسرف في الاستهزاء بالمجتمع، لا كخطأ عابر، بل كنهج مستمر.
ولهذا، في ذكرى الاستقلال وبداية عام جديد، يصبح السؤال أعمق من تبدّل الحكومات أو الوجوه:
كم يمكن لبلد أن يستمر وهو يُدار ضد إنسانه؟
وبأي كلفة سيُدفع ثمن هذا الاستمرار… على الجميع؟
أنس الفيتوري