صندوق النقد يحذّر من مسار غير مستدام ويطرح 8 خطوات لإعادة بناء المالية العام

تدخل ليبيا عاما اقتصاديا جديدا وهي محمّلة بواحدة من أصعب المعادلات في تاريخها الحديث، عجز مالي كبير استمر لثلاث سنوات متتالية، وضغوط متزايدة على سعر الصرف والاحتياطيات الأجنبية، وسياسات مؤقتة لا تعالج جذور الاختلالات.

وبحسب تقييم صندوق النقد الدولي، فإن السياسة المالية في ليبيا باتت غير مستدامة، وأن البلاد تحتاج إلى تعزيز احتياطياتها بشكل عاجل بالنظر إلى ارتفاع المخاطر المالية وتقلّب بيئة الإيرادات.

اقتصاد هش

تعتمد ليبيا على النفط بنسبة 97% من إجمالي الإيرادات، ما يجعل ماليتها العامة شديدة التعرض لتقلبات عالمية خارج السيطرة، وتتوزع المخاطر التي تهددها على انخفاض أسعار النفط في الأسواق العالمية، وانقطاعات الإنتاج المتكررة بسبب الوضع الأمني والمؤسسي، والتوسع في الإنفاق دون غطاء مالي مستدام. بحسب السيناريو الأساسي لصندوق النقد الدولي.

ويضيف الصندوق في آخر اجتماع له وفق مشاورات المادة الرابعة، أن من أبرز التهديديات أيضا تأثير التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، الذي قد يخفض الطلب على النفط على المدى المتوسط والطويل، عجز مالي حاد يصل إلى 28% من الناتج المحلي في 2024، وارتفاع غير مسبوق في الدين العام خلال السنوات الثلاث الماضية، إلى جانب فاتورة أجور ودعم تمتص جزءًا كبيرًا من الإيرادات.

فترة طوارئ

تحذّر بعثة الصندوق من أن ليبيا تدخل مرحلة طوارئ متعددة الجبهات، منها كوارث طبيعية كتلك التي شهدتها درنة في 2023، وشركات مملوكة للدولة تعاني من متأخرات وضعف في الرقابة، ونظام مصرفي يحتاج إلى مراجعة واستقرار، وإنفاق مرتفع على إعادة الإعمار ومتطلبات الهشاشة.

8 خطوات

واعتبر صندوق النقد الدولي أن هذه التحديات تجعل إدارة المالية العامة أكثر صعوبة في ظل ضعف المؤسسات وتشظي منظومة القرار، وعرض خريطة طريق من 8 خطوات لتأسيس استراتيجية مالية متينة، أبرزها:

-تقدير ثروة ليبيا من الموارد النفطية بدقة.

-وضع أهداف استهلاك طويل الأجل تضمن عدالة بين الأجيال.

-رسم مسار للتحول نحو ميزانية منضبطة تدريجيًا.

-تحديد احتياطي احترازي من الأصول المالية.

أدوات داعمة

واقترح الصندوق أدوات داعمة مثل: تحديد سقف الإنفاق، وحدود الدين، وقواعد الإيرادات القائمة على متوسط أسعار النفط 3–5 سنوات.

ماذا تحتاج ليبيا؟
وأجاب الصندوق عن سؤال ماذا تحتاج ليبيا لبناء نظام مالي موثوق، بأن تكون لها ميزانية موحدة تدمج جميع الأنشطة المالية، وأهداف مالية ملزمة ومعلنة، وهيئة مستقلة للرقابة المالية تعزز المحاسبة، وشفافية عالية ونشر دوري للبيانات والمعايير الدولية، وآليات قانونية تفرض تصحيحا تلقائيا عند انحراف السياسات، وإصلاحات عاجلة لتحسين الكفاءة واحتواء الإنفاق

أربع جبهات
شدد التقرير على ضرورة إصلاح منظومة الدعم، وضبط فاتورة الأجور عبر منصات واضحة وشفافة، وتحديث إدارة الاستثمارات العامة من اختيار المشاريع حتى التنفيذ، وتنمية الإيرادات غير النفطية لتعزيز الاستدامة.

فرصة نادرة

في الوقت الذي تبدو فيه التحديات كبيرة، يرى صندوق النقد الدولي أن ليبيا تمتلك نافذة مهمة لتثبيت استقرارها المالي، مستفيدة من موارد طبيعية وفيرة، واحتياطيات ما زالت مريحة نسبيا، وإمكانية بناء نظام مالي جديد أكثر صلابة وشفافية، وهذه الفرصة—بحسب التقرير— تتطلب إرادة سياسية، ومؤسسات قوية، ومسار إصلاح يبدأ اليوم قبل الغد.

العودة الأخيرة

استأنف صندوق النقد الدولي مشاوراته مع ليبيا بموجب المادة الرابعة لأول مرة منذ أكثر من عقد، حيث بدأت البعثة أعمالها في العاصمة التونسية في الفترة من 11 إلى 17 مارس 2023، بعد توقف دام منذ عام 2011 بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية. هذا الاستئناف جاء نتيجة تحسن نسبي في بيئة الشفافية الاقتصادية وقدرة السلطات على توفير البيانات المطلوبة.

جولات عدة

ومنذ ذلك الحين، أصبحت المشاورات تُعقد بشكل شبه سنوي، حيث أُنجزت جولات في أعوام 2023 و2024، وآخرها في 2025، والتي اختتمت رسميًا في 25 يونيو من قبل المجلس التنفيذي للصندوق في واشنطن. وكما جرت العادة، تُعقد اللقاءات الفنية في الداخل أو الخارج، بحسب الظروف الأمنية والتنظيمية.

خاتمة

هذه التوصيات والملاحظات تعكس عجز الحكومات والمصرف المركزي في معالجة أي من هذه التحديات وهي مكررة من سنوات سابقة، وأصبح البعض منها متفاقمة ومتداخلة، ومعالجتها مرتبطة ببعضها ولا يمكن أن تكون منفردة.

Related posts

ليبيا ضمن الدول المتضررة من رفض التأشيرات.. أكثر من 568 ألف يورو رسوم غير مستردة في 2025

مؤسسة النفط توقع اتفاقية لتشغيل حوض مرزق.. هل تنعكس على إنتاج النفط وأزمة الوقود؟

وفد من الخارجية اليونانية يصل طرابلس لاستئناف محادثات ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا