الاتفاقات الدولية: هل تكفي إرادة السلطة التنفيذية الفعلية إلزام الدولة؟

تلوح في أفق المشهد الليبي المعقّد أزمة سياسية، تتشابك فيها الفوضى المؤسساتية الداخلية مع الضغوط الدولية الرامية إلى تحويل ليبيا من دولة عبور للمهاجرين غير الشرعيين، إلى دولة توطين واستقرار.

 

وفي خضم هذا المشهد، لا تكمن الخطورة في غياب الإرادة السياسية فحسب، بل في النقص التشريعي الذي يعتري المنظومة القانونية الليبية.

ومع تصاعد الأسئلة إزاء صمت السلطات التنفيذية في غرب البلاد وشرقها حول هذا الموضوع ، هل أقدمتا على إبرام اتفاقات دولية تتعلق بهذا الأمر؟ وما هي الطبيعة القانونية للالتزامات الدولية -التي تنتجها هذه الاتفاقات في حالة توقيعها- على الدولة الليبية؟ إن التنظيم التشريعي الليبي يفتقر إلى ما تداركته الدساتير المقارنة من تصنيفها للمعاهدات التي تستوجب مصادقة السلطة التشريعية، وبين تلك التي ترتب آثاراً في مواجهة الدولة بمجرد التوقيع عليها، أو قبول الانضمام لها، وذلك لأجل الاحتجاج بوجود مخالفة جوهرية من عدمها لبطلان الاتفاقية إذا أُبرمت بالمخالفة للقانون الداخلي وفقاً لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات 1969.

 

تمر عملية إبرام المعاهدات الدولية بسلسلة من المراحل المتتابعة، تبدأ بالمفاوضات وصياغة النصوص، مروراً بالتوقيع، وصولاً إلى التصديق للتعبير عن الإرادة النهائية للدولة. وهذه المراحل تفترض وجود إنشاء معاهدة جديدة ، أما في الحالات التي ترغب فيها الدولة الالتزام بمعاهدة قائمة وسارية المفعول ، فإن ذلك يتحقق عبر آلية الانضمام التي تحل محل المراحل السابقة.

 

ونظراً لأن القانون الدولي العام يقوم أساساً على مبدأ سلطان الإرادة للدول، فإن المرور بهذه المراحل ليس إلزامياً في كافة الأحوال؛ إذ يملك الأطراف حرية الاتفاق على تجاوز بعض هذه المراحل كالاكتفاء بالتوقيع دون الحاجة للتصديق. وتأسيساً على ذلك، وبمجرد أن تعبر الدولة عن ارتضائها الالتزام بالمعاهدة وفقاً للأشكال المقررة دولياً، يصبح هذا الالتزام نافذاً ونهائياً استناداً إلى المبدأ المستقر العقد شريعة المتعاقدين، وبالتالي تصبح المعاهدة ملزمة، ولا يجوز للدولة الاستناد إلى مخالفة المعاهدة لقانونها الداخلي كسبب للتحلل من التزاماتها الواردة بها، إلا إذا كان هذا الإخلال جوهرياً.

 

عند استقراء النصوص التشريعية المنظمة لوضع المعاهدات الدولية من النظام القانوني الداخلي للدولة، يتضح أن المشرع الليبي قد تبنى منهجاً قائماً على التعميم والإطلاق في مسألة التصديق على المعاهدات الدولية دون تحديد لماهية المعاهدات الدولية التي تستلزم ذلك من قبل السلطة التشريعية كما فعلت بعض الدساتير المقارنة. بالعودة إلى القانون رقم 1 لسنة 2007 بشأن نظام عمل المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية، نجد أن نص المادة 1 يحدد اختصاصات المؤتمرات الشعبية الأساسية بالمصادقة على المعاهدات والاتفاقات المبرمة بين ليبيا والدول الأخرى، كما نصت المادة 12 من ذات القانون على اختصاص اللجنة الشعبية العامة ( السلطة التنفيذية)  بمراجعة المعاهدات والقروض والموافقة عليها، مع إلزامها باتخاذ إجراءات عرض ما يستوجب العرض منها على المؤتمرات الشعبية للمصادقة، دون أن يُحدد النص معياراً منضبطاً لبيان ما يستوجب العرض، وما لا يستوجبه، مما ترك الأمر لتقدير السلطة التنفيذية، وهذا السياق النصي اتبع في كافة التنظيمات التشريعية اللاحقة فجاءت المادة (30) من الإعلان الدستوري المؤقت لسنة 2011 لتنص باقتضاب على أن “السلطة التشريعية تصادق على المعاهدات الدولية دون أي تخصيص أو تمييز. وهو ذات المسار الذي كرسه الاتفاق السياسي الليبي في المادة (8/2/و)، والتي منحت رئيس مجلس الوزراء اختصاص عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية على أن تتم المصادقة عليها من مجلس النواب.

 

إن هذا الإطلاق التشريعي غير المخصص يضع ممارسة السلطة التشريعية الليبية أمام استحالة قانونية وعملية؛ فالسلطة التشريعية  لا تملك القدرة على المشاركة الفنية في المفاوضات التي تسبق إبرام المعاهدات، كما لا يسعها قانوناً إجبار السلطة التنفيذية على وقف مسار المفاوضات. خاصةً إذا كانت هذه الأخيرة تجرى بشكل سري. وإزاء هذا النقص التشريعي، هل تملك الدولة الليبية التحلل من اتفاقاتها الدولية المبرمة، والتمسك في مواجهتها بمخالفة قانونها الداخلي؟

 

تنص قواعد اتفاقية فيينا للمعاهدات 1969 على طرق متنوعة لتعبير الدولة عن ارتضائها الالتزام بالمعاهدة، فلا يقتصر رضا الدولة على التصديق فقط، بل يمتد ليشمل أيضاً التوقيع، أو الانضمام؛ إذ منحت المادة (12) من هذه الاتفاقية للتوقيع  أثراً قانونياً للتعبير عن الارتضاء بالمعاهدة دون حاجة إلى أي إجراء لاحق؛ وذلك في حالات ثلاث: إذا نصت المعاهدة على ذلك، أو إذا ثبت اتفاق الدول المتفاوضة على منح التوقيع هذا الأثر، أو إذا انصرفت نية الدولة لذلك في وثيقة تفويض ممثلها، أو أثناء المفاوضات، كما يمكن التعبير عن رضا الدولة الالتزام بالمعاهدة بتبادل وثائق إنشائها، أو بالتصديق عليها، أو بالموافقة عليها، أو بقبولها ،أو بالانضمام إليها، أو بأية وسيلة أخرى متفق عليها ( المادة 11) ، ويتقاطع هذا النص مع المادة (7) من الاتفاقية، والتي تقرر مبدأ تمثيل الدولة ، وبقوة القانون لأشخاص محددين لا يحتاجون لتقديم وثائق تفويض لإبرام المعاهدات ، وعلى رأسهم: رؤساء الدول، ورؤساء الحكومات، ووزراء الخارجية. فأي تصرف يصدر عن هؤلاء في حدود اختصاصاتهم، أو من يفوضونهم بموجب وثيقة تفويض كاملة يُعد صحيحاً ونافذاً دولياً، ويرتب أثراً قانونياً في مواجهة الدولة.

 

وهنا يثور المأزق القانوني والعملي في الحالة الليبية؛ فبينما ينص القانون الداخلي الليبي بدءاً من قانون رقم 1 لسنة 2007، مروراً بالإعلان الدستوري 2011، وصولاً للاتفاق السياسي بالعمومية التي توجب مصادقة السلطة التشريعية على المعاهدات، تمنح اتفاقية فيينا للسلطة التنفيذية رئيس الدولة أو الحكومة أو وزير الخارجية أو من يفوضونهم غطاءً قانونياً كاملاً للالتزام بالاتفاقات بمجرد التوقيع.

 

ونتيجة لذلك، تجد الدولة الليبية نفسها في مواجهة معضلة دولية خطيرة: فبمجرد قيام ممثلها وفق المادة 7 بالتوقيع على الاتفاق الدولي تصبح هذه الأخيرة سارية وقائمة دولياً، ولا تملك الدولة الليبية لاحقاً فرصة التذرع بأن هذا التوقيع خالف النص الداخلي الذي يوجب موافقة السلطة التشريعية، نظراً لأن القواعد الدولية تحمي مظهر التعامل الخارجي، وتحظر الاستناد للقوانين الداخلية للتنصل من الالتزامات الدولية، إذ نصت المادة  46 من اتفاقية فيينا بأنه لا يجوز للدولة أن تحتج بأن التعبير عن ارتضائها الالتزام بالمعاهدة قد تم يالمخالفة لأحكام قانونها الداخلي فيما يتعلق بالاختصاص، إلا إذا كانت المخالفة بينة، وهنا  ستخضع مسألة المخالفة البينة في التشريع الليبي لتفسيرات مختلفة قد لا تقود في النهاية _ نظراً إلى النصوص الداخلية التي تم عرضها في هذا المقال _ إلى اعتبارها مخالفة جوهرية تبطل المعاهدة، الأمر الذي يجعل الدولة الليبية تحت طائلة المسؤولية الدولية الناشئة عن التناقض بين تصرفات سلطتها التنفيذية الخارجية، وجمود نصوصها التشريعية الداخلية.

 

بقلم: أحمد أبومهارة – محامي

 

 

Related posts

ذا سنتري تتمسك بنتائج تقريرها.. وفريق العشيبي القانوني يقدّم وثائق نافية للاتهامات

بعد أسبوعين من الاحتـ ـجاز.. نشطاء قافلة الصمود يدخلون في إضراب عن الطعام

خاص فواصل: انطلاق الجلسة الختامية للحوار المهيكل لعرض التوصيات النهائية لمساراته