يا ابن المحظوظة.. قصة جائزة خرجت من بين الكبار

أزعم أني شاهدت عواصم ومدن كثيرة لكن تظل القاهرة بالنسبة لي الأفضل كان فيها سحر خاص ربما لطيبة الناس وربما لأنك لا تشعر فيها بالغربة خصوصًا إذا وثقوا بك وكونت صداقات حقيقية حينها تشعر بأن وراءك سندًا عظيمًا وبالمقابل ليس مطلوبًا منك إلا الأدب والاحترام.

 

جمعتني الصدفة وعن طريق أحد الأصدقاء بالتعرف على بعض الفنانين وأولهم وأهمهم المرحوم فاروق الفيشاوي وكان إنسانًا كريمًا جدًا وودودًا ويحب اللمة لدرجة أنه لا يعرف أن يتناول الطعام وحده وعن طريقه تعرفت على الفنانة المرحومة ذكرى محمد وكانت إنسانة بسيطة وكريمة إلى أقصى حد رغم شهرتها وكذلك الفنان سامي العدل وعماد رشاد وهاني مهنا وعماد محرم والمخرج خفيف الظل محمود عبدالعزيز وغيرهم من الفنانين والفنانات مثل نرمين الفقي وإلهام شاهين والكثير من العاملين في الوسط الفني تمثيلا وغناء وصناعة.

 

في إحدى الليالي عزمني فاروق إلى عشاء خاص في إحدى أفخم الفنادق على ضفاف النيل حضره عدد من الفنانين ورجال الأعمال والإعلاميين المعروفين وكانت الأجواء في بدايتها هادئة وعادية لا توحي بأن تلك الليلة ستتحول إلى واحدة من أكثر الليالي التي لا أنساها في حياتي.

 

وبينما كانت الأحاديث تدور والضحكات تتعالى بين الحضور دخل أحد الموظفين على عجل وهمس في أذن رجل أعمال معروف كان يجلس على الطاولة الرئيسية فتغيرت ملامحه فورًا وغادر القاعة مسرعًا تبعه عدد من مساعديه وبعد دقائق بدأت الهواتف ترن في كل مكان وظهرت حالة من التوتر لم أفهم سببها في البداية.

 

لاحقًا علمنا أن صفقة استثمارية ضخمة بملايين الدولارات كانت على وشك الانهيار وأن ساعات قليلة فقط تفصل بين نجاحها أو خسارة كل شيء فتحولت السهرة فجأة إلى ما يشبه غرفة عمليات رجال أعمال يتحدثون مع عواصم مختلفة ومحامون يراجعون المستندات ومساعدون يدخلون ويخرجون حاملين ملفات عاجلة بينما كان الفنانون يتابعون المشهد وكأنهم يشاهدون فيلمًا حيًا أمامهم.

 

مرت الساعات ببطء شديد وكل دقيقة كانت تحمل خبرًا جديدًا مرة ترتفع الآمال ومرة تعود المخاوف حتى وصل الاتصال الحاسم قبيل الفجر بلحظات وعندها تبدلت الوجوه فجأة وانفجرت القاعة بالتصفيق بعد نجاح الاتفاق في اللحظة الأخيرة.

 

وفي خضم تلك الأجواء أعلن صاحب الصفقة أنه قرر الاحتفال بنجاحها بطريقة غير متوقعة فأجرى سحبًا بين الحاضرين على هدية ثمينة جدًا لم يكن أحد يتوقعها وكان الحضور يضم أسماء معروفة وشخصيات نافذة ورجال أعمال كبار ومع ذلك وقعت المفاجأة عندما خرج اسمي أنا.

ساد الصمت لثوانٍ ثم انفجر المكان بالتصفيق والضحك بينما نظر إلي فاروق الفيشاوي مبتسمًا وقال بلهجته المصرية المعهودة

وشك حلو أوي وليك حظ كبير يا ابن المحظوظة.

 

وأعتقد أني استنزفت حظي طول العمر في الحفلة هذي.

ولا أخفيكم أنني أحيانًا بعد كل هذه السنوات ما زلت أعتقد أنني كنت محقًا فذلك القدر من المصادفات والأحداث والوجوه التي اجتمعت في ليلة واحدة لا يتكرر كثيرًا في حياة الإنسان.

ولهذا كلما تذكرت القاهرة أتذكر تلك الليلة تحديدًا وأتذكر كيف يمكن لسهرة عادية على النيل أن تتحول خلال ساعات قليلة إلى قصة كاملة مليئة بالمفاجآت والأحداث والضحكات والذكريات.

وإلى لقاء آخر

يتبع باقي الحلقات 1 / 4

للكاتب محمد ماضي

Related posts

إيران تستخلص الدرس الخاطئ من تجربة ليبيا

بين الشكليات العقيمة وفجيعة الأرقام، كيف يهرب “الأعلى للدولة” من مواجهة الألف مليار؟

ليبيا على أعتاب التغيير… لكن نجاحه مرهون بالتعاون