الجمعة - 5 يونيو 2026
Home Featuredاتفاق مراكز الضعف

اتفاق مراكز الضعف

اتفاق مراكز الضعف

by عائشة |

يتفق الأقوياء على قواعد للحكم حين يخشى كل طرف منهم قوة الآخر، وكذلك يفعل الضعفاء، إذ يضطرون إلى عقد اتفاقات مؤقتة تحفظ لهم بقاءً هشًّا ومصطنعًا.

وتتجلى هذه القاعدة في الاتفاق الذي توصلت إليه الحكومة مع جهاز الردع التابع نظريًا للمجلس الرئاسي، برعاية تركيا التي باتت تهيمن على بعض أطراف العملية السياسية في ليبيا منذ تدخلها، أواخر عام 2019، في الحرب الأهلية الإقليمية التي شنّها خليفة حفتر على طرابلس.

فهل يمكن القول إن وضع حكومة الوحدة الوطنية، التي يترأسها عبدالحميد الدبيبة نظريًا، شبيه بوضع الحكومات السابقة على اتفاق الصخيرات، التي لم يتجاوز سلطانها رقعة جغرافية ضيقة من إقليم طرابلس الغرب؟ يبدو أن الجواب: لا. فحكومة الدبيبة تبسط نفوذها على مصراتة، وتستطيع تجييشها وتحريكها إلى طرابلس وقتما شاءت، بسرعة لا تشبه إلا سرعة وصول قوات حفتر إلى العاصمة عام 2019.

كما أظهرت الحكومة قدرة محدودة على الوصول إلى معاقل تهريب الوقود واحتجاز المهاجرين غير القانونيين غربي طرابلس، من خلال توجيه ضربات جوية بطائرات مسيّرة تركية الصنع. لكنها شُلّت عندما حاولت استخدام تلك الطائرات ضد أطراف مناوئة في مايو الماضي.

ورثت حكومة الدبيبة إقليم طرابلس الغرب بعد خسارة سرت عام 2020 وخسارة كامل الجنوب الغربي، فباتت تراوح في جغرافيا هزيلة تزيدها ضعفًا فوق ضعفها الطبيعي.

ويُظن أن طرابلس الغرب ليست خالصة للحكومة، إذ تقتصر قوتها الفعلية على شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز طوله مئتي كيلومتر، يربط بين مصراتة والعاصمة. كما يُشكّ في ولاء مدن مثل الزاوية غربًا وبني وليد جنوب شرقي طرابلس.

هكذا نرى حكومة لا تملك من الجغرافيا إلا مساحات محدودة تتحرك داخلها.

وأدّعي أن الخصم الأول للحكومة، أو مصدر قلقها الحقيقي، هو البعثة الأممية ورئيستها هانا تيتيه، التي قدّمت في أغسطس الماضي خريطة سياسية لمجلس الأمن، من شأن نجاحها اقتلاع الحكومة. قد لا يكتب لتلك الخطة النجاح، لكن الحكومة لا تنتظر ضربات الحظ وتقلبات الوقائع، لذلك سارعت إلى عقد اجتماع في روما، بتنسيق أمريكي، مع الشريك السياسي الضعيف الآخر، الذي يحتاج رغم كل الظروف إلى طرابلس كشريك سياسي واقتصادي.

أما جهاز الردع، فليست لديه القدرة على تعطيل عمل الحكومة أو منعها من عقد الصفقات وتمرير الاتفاقيات واتخاذ القرارات. القادر الوحيد على نزع أدواتها هو البعثة الأممية، إذا ما تمكنت من صياغة معادلة سياسية تنتج حكومة موحدة.

ومن حسن حظ حكومة الدبيبة أن مشروع البعثة لم يجد قبولًا لدى حفتر، الذي يبدو أنه سيقاومه أو سيقاومه أبناؤه، خصوصًا أن ملف الحكومة لا يزال معلّقًا بين مصر وتركيا، أبرز الوكلاء الإقليميين، واللذين يتحركان في إطار سياقات دولية متعددة.

أما ضعف جهاز الردع فيعود أساسًا إلى اهتزاز المعادلة الأمنية في طرابلس. فقد كان دائمًا في موقع المترقب للنتائج أو الباحث عن توسيع نفوذه.

المعادلة الأمنية السابقة برزت مع محاولة قوات تابعة لفتحي باشاغا دخول طرابلس، ومقاومة مؤيدين لحكومة الدبيبة ومعارضين لباشاغا، وبينهم أطراف لم تكن مؤيدة للحكومة منذ البداية. انتهت تلك المحاولة بخروج باشاغا وأنصاره، لتتشكل معادلة ثلاثية:
1. جهاز الردع شرق طرابلس، الذي تمدد على حساب كتائب أضعف.
2. جهاز الدعم والاستقرار، المهيمن على أبو سليم وأجزاء من جنوب ووسط طرابلس، ويمتد نفوذه إلى الخمس وغريان ومدن غربي العاصمة.
3. اللواء 444، المتمركز جنوب طرابلس، والممتد نحو ترهونة وبني وليد.

استمرت المعادلة حتى مايو الماضي حين تفكك جهاز الدعم والاستقرار بعد مقتل قائده عبدالغني الككلي، المنافس الأبرز للحكومة في استغلال موارد الدولة. عندها دخلت قوات من الزنتان إلى طرابلس، فتزعزعت المعادلة الأمنية، وبرزت الفوضى على المستويات المجتمعية والأمنية والسياسية.

اعتقدت الحكومة أن الفرصة سانحة للسيطرة على جهاز الردع، لكنها فوجئت باستعداده المسبق. ومع أن الجهاز لم يكن قادرًا وحده على مواجهة خطاب الحكومة المبني على الشرعية و”الحرب على المليشيات”، فإنه استعان ببلدية سوق الجمعة التي خشيت تكرار سيناريو أبو سليم بعد مقتل الككلي، مما غذّى الحساسية المناطقية، وأعطى الصراع بعدًا جديدًا بين مصراتة وسوق الجمعة، بعيدًا عن خطاب الحكومة.

في النهاية، ما يميز الاتفاق بين الطرفين أنه اتفاق الضعفاء؛ اتفاق لا يحتمل أحدهما تبعات حرب طويلة أو حتى قصيرة الأمد. حتى أن أطرافًا أوروبية واجهت الحكومة بهذه الحقيقة.

كما أن القوات القادمة من مصراتة لم تكن كلها متحمسة للحرب، بل جاءت – على الأرجح – للضغط وتحسين شروط التفاوض، إذ تبقى مصراتة جزءًا لا يتجزأ من أي معادلة سياسية قادمة، سواء بقي الدبيبة أو رحل، لما لها من ثقل اجتماعي وعسكري وسياسي.

انتهت الأزمة، لكنها كشفت بوضوح الأوزان الحقيقية لكل الأطراف، وأكدت أن اصطدامها لا يعني انتصار طرف، بل قد يقودها جميعًا إلى الانتحار.

You may also like