يشهد السوق الليبي حالة من الارتباك الاقتصادي نتيجة تفاقم الفجوة في الحصول على الاعتمادات المصرفية بين كبار التجار والشركات من جهة، وشريحة واسعة من التجار المتوسطين من جهة أخرى، ما أدى إلى خلل واضح في توازن السوق وتراجع القدرة التنافسية للعديد من الأنشطة التجارية.
ففي الوقت الذي تمنح فيه الاعتمادات بسعر 6.40 دينار للدولار للشركات الكبرى التي تمتلك مصارف أو علاقات مصرفية مميزة، تواجه شريحة واسعة من التجار المتوسطين صعوبة شديدة في الحصول على أي اعتمادات، ما يدفعهم إلى شراء الدولار نقدًا من السوق الموازية بأسعار تصل إلى 7.40 دينار، وهو ما يرفع من تكلفة السلع المستوردة ويضعف قدرتهم التنافسية.
من جهة أخرى، أثار مراقبون اقتصاديون تساؤلات حول سلوك بعض الشركات الكبرى التي تحصل على الدولار بسعر 6.40 دينار، ثم تسعّر منتجاتها وفق 7.40 أو حتى 8.70 دينار، ما يحقق لها أرباحًا غير مبررة ويؤدي إلى اختلال عدالة السوق وارتفاع الأسعار على المستهلك النهائي.
وتُظهر بيانات المركزي أن سبع عائلات تجارية فقط حصلت على اعتمادات تفوق قيمتها الإجمالية 400 مليون دولار خلال أقل من عام، فيما استحوذت عائلتا قدّاد وهيبة وحدهما على نحو 245 مليون دولار، بما يمثل أكثر من60% من إجمالي الاعتمادات المستندية الممنوحة في البلاد.
بيانات المركزي أظهرت أن الاعتمادات المستندية تتركز بشكل كبير لدى عدد محدود من العائلات التجارية الكبرى، إذ جاءت عائلة قدّاد في الصدارة بحصولها على ما يقارب 134.5 مليون دولار عبر شركات تعمل في قطاعات الأغذية والحبوب والزيوت والأعلاف، وتعتمد بشكل أساسي على خدمات مصرف الجمهورية بفروعه في الميدان وأبي الأشهر،
وتليها مباشرة عائلة وهيبة التي نالت ما قيمته نحو 111.2 مليون دولار عبر شركاتها العاملة في المجالات ذاتها تقريباً من أغذية وأعلاف وحبوب وزيوت، وباعتماد رئيسي على مصرف الجمهورية أيضًا بفروعه في الميدان والفلاح.
أما في المرتبة الثالثة فتأتي عائلة بكّوري بحجم اعتمادات يبلغ حوالي 52.8 مليون دولار، من خلال شركات مختصة بمواد البناء والألمنيوم وتشغيلها، ما يعكس استمرار تركّز الاعتمادات في قطاعات غذائية وإنشائية محددة يهيمن عليها كبار التجار.
وتزامن هذا الخلل مع قرارات حكومية زادت من الضغط على التجار المتوسطين، أبرزها قرار حكومة أسامة حماد بإغلاق المحال غير الملتزمة بالدفع الإلكتروني، وقرار وزير الاقتصاد محمد الحويج بمنع دخول أي بضاعة لم تستكمل إجراءاتها المصرفية، ما تسبب في تعطّل شحنات عديدة تخص تجارًا لا يحصلون على الدولار المصرفي أصلا.
كما أصدر وزير الاقتصاد والتجارة، بحكومة الوحدة، محمد الحويج، قرارا مفاجئا يقضي بمنع إدخال أي بضاعة لم تستكمل إجراءاتها عبر النظام المصرفي المعتمد، الأمر الذي تسبب في توقف شحنات عديدة من البضائع التي يستوردها التجار المتوسطون وتجار السيارات، والذين لا تتحصل شركاتهم على الدولار المصرفي.
وأوضح أحد التجار في تصريح لفواصل أن استمرار الفجوة في آليات منح الاعتمادات يهدد استقرار السوق ويقوّض الثقة بين القطاع الخاص والمصارف، مؤكدا أن المطلوب اليوم هو إعادة هيكلة منظومة الاعتمادات، وضمان الشفافية في منحها وفق معايير مهنية واضحة، بعيدًا عن النفوذ والمحاباة، حتى يتمكن الجميع من المنافسة في بيئة اقتصادية متوازنة وعادلة.
تظهر التطورات الأخيرة في السوق أن غياب العدالة والشفافية في آلية منح الاعتمادات المصرفية أصبح من أبرز العوامل التي تهدد استقرار النشاط التجاري وتفاقم أزمة الأسعار، وبينما تستفيد الشركات الكبرى من تسهيلات استثنائية، يجد التجار المتوسطون أنفسهم أمام تحديات متزايدة في ظل قرارات حكومية متضاربة ونقص في الثقة بالمنظومة المصرفية.