لم يعد فساد الاعتمادات المستندية في ليبيا مجرّد شبهات أو اتهامات عابرة، بل تحوّل إلى أحد أخطر أبواب استنزاف المال العام، وأوضح أشكال النهب المنظّم الذي يُمارس تحت غطاء “الاستيراد” وبأختام رسمية وتواقيع نافذة.
فباسم توفير السلع الأساسية، تُفتح اعتمادات بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، تُستنزف من احتياطي النقد الأجنبي، بينما السوق المحلي لا يشهد أي وفرة حقيقية، ولا يلمس المواطن أي تحسّن في الأسعار أو توفر السلع.
النتيجة واحدة: دولارات تخرج… وسلع لا تعود.
أرقام على الورق… وغياب في الواقع
في الاقتصاد، الأرقام لا تُناقَش بالعاطفة بل بالمنطق.
أي اعتماد يُفتح لاستيراد كميات ضخمة من السلع، يفترض أن يترك أثرًا واضحًا: حركة موانئ نشطة، طاقة تخزين كبيرة، شبكات نقل يومية، وانعكاس مباشر على الأسعار.
لكن الواقع الليبي يكشف فجوة خطيرة بين ما هو مكتوب في المستندات، وما هو موجود فعليًا في الأسواق.
اعتمادات تُمنح، فواتير تُعتمد، تحويلات تُنفَّذ، بينما السلع إما لا تدخل أصلًا، أو تدخل بجزء يسير لا يتناسب مع حجم الأموال المصروفة.
كيف يُدار الفساد؟
فساد الاعتمادات لا يتم بعشوائية، بل وفق منظومة متكاملة: شركات واجهة بلا قدرة حقيقية على الاستيراد، تضخيم فواتير وقيم شحن، إعادة تدوير الدولار في الخارج، غياب رقابة فعّالة على ما بعد فتح الاعتماد، ضعف المتابعة بين المصارف والموانئ والجهات الرقابية، والأخطر أن هذا الفساد يتم في وضح النهار، دون محاسبة حقيقية، ودون إعلان نتائج واضحة للرأي العام.
المواطن يدفع الثمن
في النهاية، لا يدفع ثمن هذا العبث سوى المواطن الليبي.
ارتفاع مستمر في الأسعار
انخفاض في قيمة الدينار
شحّ في السلع
وتآكل في القدرة الشرائية
بينما تُبرَّر الأزمات بعوامل خارجية، والحقيقة أن النزيف داخلي، سببه سوء إدارة وفساد ممنهج.
جريمة اقتصادية لا خطأ إداري
ما يحدث في ملف الاعتمادات ليس أخطاء تقدير ولا اجتهادات فاشلة، بل جريمة اقتصادية مكتملة الأركان، تمسّ الأمن الغذائي، وتضرب الاستقرار المالي، وتدمّر ثقة المواطن في مؤسسات الدولة.
فالدولة التي لا تعرف أين ذهبت أموال اعتماداتها، ولا ماذا دخل مقابلها، هي دولة تُدار في الظل، لا في العلن.
الخلاصة: ما لم تُفتح ملفات الاعتمادات كاملة، وما لم تُنشر الأرقام بشفافية، وما لم تُحاسَب الأسماء دون استثناء، سيبقى الاستيراد بوابة نهب، وسيظل الدولار يُستنزف، ويظل المواطن الليبي هو الضحية الأولى والأخيرة، فالاقتصاد لا يُدار بالشعارات… بل بالمحاسبة.