Home Featuredفيدان يسلط الضوء على ليبيا: العقدة الجيوسياسية والأمنية بحاجة إلي حضور أمريكي مكثف

فيدان يسلط الضوء على ليبيا: العقدة الجيوسياسية والأمنية بحاجة إلي حضور أمريكي مكثف

by هبة العماري

مع تصاعد التنافس الدولي على النفوذ في شمال إفريقيا وشرق المتوسط جاءت التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لدعوة الولايات المتحدة إلى تكثيف دورها في ليبيا خلال 2026 لتسلط الضوء على حساسية المشهد الليبي وتعقيداته. فليبيا اليوم ليست مجرد أزمة حكم داخلي بل عقدة جيوسياسية وأمنية معقدة تتقاطع فيها المصالح السياسية والاقتصادية مع التحديات الأمنية العابرة للحدود وترتبط ارتباطا وثيقا بالقضايا والأحداث الإقليمية والدولية بدءا من الحرب الروسية الأوكرانية إلى التحولات في موازين القوى الدولية والإقليمية في المنطقة.

تصريحات فيدان تعكس وعي أنقرة العميق بعمق هذه العقدة إذ ترى أن استقرار ليبيا مرهون بتوازن النفوذ الدولي وأن الولايات المتحدة وحدها قادرة على فك هذه العقدة ليس فقط بفضل حضورها الدولي بل أيضا لقدرتها على الضغط على الأطراف المحلية وضبط توجهات الأطراف الإقليمية المؤثرة في المشهد الليبي بحيث تتوافق التحركات الإقليمية مع مسار الاستقرار ولا تفاقم الانقسامات الداخلية.

وتأتي هذه التصريحات في توقيت استراتيجي إذ تسعى تركيا لضمان وجود قوة دولية متوازنة تمنع أي فراغ قد يؤدي إلى إعادة رسم خارطة القوى داخليا وإقليميا مع انعكاسات مباشرة على خطوط الطاقة والتحالفات العسكرية والسياسية في شمال إفريقيا وشرق المتوسط.

تركيا ترى أن تكثيف الدور الأمريكي في ليبيا ليس مجرد مطلب تكتيكي بل جزء من استراتيجية أوسع لتأكيد مركزيتها كلاعب رئيسي في الملف الليبي من خلال إشراك الولايات المتحدة كضامن لاستقرار التحالفات السياسية والعسكرية ما يمنحها هامش نفوذ أكبر في صياغة الحلول الداخلية دون مواجهة مباشرة مع القوى المنافسة. كما تدرك أنقرة أن استقرار ليبيا مرتبط بالقضايا الدولية الكبرى وأن أي فراغ أمريكي سيفتح المجال أمام تدخلات روسية أو أوروبية أو من قوى إقليمية قد تقلل من قدرتها على توجيه مسار الأحداث بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.

من وجهة النظر الأمريكية تكثيف الدور في ليبيا يمثل مفتاحا لضمان الاستقرار السياسي الداخلي وحماية خطوط الطاقة والممرات البحرية والحفاظ على توازن النفوذ الإقليمي والدولي ومنع أي طرف من استغلال الفراغ لتعزيز نفوذه على حساب استقرار الدولة الليبية والمنطقة بأسرها. كما أن الولايات المتحدة قادرة على دعم الدولة الليبية في مواجهة التهديدات الأمنية العابرة للحدود وتعزيز قدرتها على ضبط حدودها وحماية أمن المنطقة بالإضافة إلى توجيه الأطراف المحلية وضبط تأثير الأطراف الإقليمية نحو مسار الاستقرار.

تصريحات فيدان الأخيرة تكشف بوضوح أن أنقرة تدرك أن استقرار ليبيا ليس مجرد ملف داخلي بل مفتاح للأمن الإقليمي والدولي وأن الدور الأمريكي عنصر حاسم ليس فقط في إدارة الملف الليبي بل في ضبط التوازن بين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

ليبيا اليوم تمثل اختباراً حقيقيا لقدرة اللاعبين الإقليميين والدوليين على إدارة صراعات النفوذ ضمن منظور جيوسياسي واستراتيجي متوازن حيث أي تحرك أو تراجع أمريكي سيترك أثره المباشر على الأمن والطاقة والتحالفات العسكرية والسياسية في شمال إفريقيا وشرق المتوسط.

 

حسام محمود الفنيش
كاتب ومحلل سياسي

You may also like