الأربعاء - 1 يوليو 2026

للبقاء على قيد الأمل.. حتمية نخبة تأسيسية جديدة

by heba

يبدو المشهد الليبي منذ عقد وكأنه يُجسِّد “الزمن الدائري” أو “أسطورة سيزيف” حسب مقالة ألبير كامو الشهيرة في حقل الفلسفة، حيث تكرر الحلقة نفسها بلا نهاية، مدخلات ومقترحات شكلية لا تلمس عمق الأزمة، وبالتالي مخرجات معطَّلة أو تُنفَّذ بالحد الأدنى الذي لا ينتج الاستقرار المستدام المطلوب.

في تصوُّري، ما يحدث ليس إخفاقًا تشريعيًّا أو تنفيذيًّا أو سياسيًّا. ليس طريق الانهيار الذي نسلكه نتيجةً لأخطاء المؤتمر الوطني ومجلس الدولة، ولا أخطاء مجلس النواب، ولا أخطاء المصرف المركزي، ولا أخطاء تلك الحكومة او ذلك الحزب أو الفصيل المسلح أو القبيلة أو تلك الأيديولوجيا أو المعتقد الديني أو المذهبي، وإن كان هناك تأثيرات سلبية كبيرة جدًّا متفاوتة لكل من سبق؛ إن ما يحدث هو نتاج بنية سياسية واقتصادية وعسكرية قد تكون معطوبة تقريبًا. عقود من الفكر الأحادي والقمع والإفقار المعرفي والسياسي المتعمَّد والحكم الشمولي المطلق في أربعينية الحرمان الكبير أفسدت كل شيء، وأنتجت بعد ذلك نظام الفساد والسلاح والابتزاز عقب ثورة فبراير.

الآن، هذه البنية ليست مجرد مجموعات ولوبيات فساد، بل هي أقرب لنظام حكم بديل، له قواعده الخاصة، وقدرته الهائلة على ابتلاع أهل الاعتدال في المشهد السياسي الذين لم تتلطخ أيديهم بالدم وتتسخ بالمال الفاسد. هذه البنية الحاكمة القائمة تطحن أهل الاعتدال والنخب أو تحوِّلهم إلى وقود لآلة أو مجموعة آلات تعيد إنتاج نظام الفساد والابتزاز والسلاح في كل مرة، مما يجعل العملية السياسية في عمقها مجرد مسرح يخفي واقع القوة المرعب والنهب العام الذي لا نهاية قريبة له، ومحصّلته المزيد من العبث السياسي والعسكري والنزق الإداري القانوني تجاه موارد الدولة وقضايا الوطن الرئيسية، والنهاية بالتأكيد المزيد من الاقتتال والمزيد والمزيد من حفلات النهب الكبرى المقامة علنًا على كل جغرافيا البلاد.

ومن زاوية أخرى للمشهد، لم تنجح البعثة الأممية تقريبًا في كل مرة، وهذا لا يرجع لسبب بنيوي بداخلها، فالإشكال البنيوي هو إشكالنا نحن؛ البعثة تتعثر لأسباب داخلية وأخرى خارجية تتعلق بالظروف والملابسات والبنية السياسية المعطوبة التي أشرنا لها.

داخليًّا، يتركز عمل البعثة حول تقديم مقاربات عقلانية قائمة على افتراض أن الحلول المطلوبة هي فنية سياسية (قوانين انتخابية، حكومة وحدة، أطر زمنية… إلخ)، وتفترض أنها كفيلة بتحقيق الاستقرار إذا ما تم التوافق عليها داخليًّا، لكنها تتجاهل أو لا تجد حلًّا لمنطق القوة الذي يحكم ليبيا، حيث تكون السلطة أو طريقة الوصول إليها ليست نتاجًا للشرعية الانتخابية أو حتى لشرعية التوافق والاعتدال والمشاريع، بل لشرعية السيطرة على الموارد والعنف والابتزاز.

خارجيًّا، تحاول البعثة حشد التوافق حول مقارباتها العقلانية هذه، وهنا يظهر تعثُّر جهود البعثة وهي تحاول أن تصنع هذه المقاربة وتقدمها لمجتمع دولي متشظٍّ في مصالحه ومختلف في رؤاه حول ليبيا. تعثُّر يعكس حالة من الصراع الجيوسياسي أعلى وأكبر من ليبيا، حيث تبدو فيه بلادنا ساحة منافسة وليست دولةً بمعنى الدولة، الأمر الذي يغذّي ويقوّي من هذه البنية السياسية والعسكرية المشوَّهة، الشيء الذي يطيل أمد الأزمة ويزيد من حجم المعاناة ويسرع من وتيرة الاقتراب من الانهيار الكامل.

في تصوري البسيط، إن تحسُّس طريق الحل والخلاص لا يكمن في انتظار تحول مصالح القوى الكبرى أو توبة أرباب السلاح والابتزاز والفساد، فهذا انتظار للمعجزة، وبدلًا من ذلك، يجب التفكير ومن ثم التحرك نحو مفهوم “النخبة التأسيسية” أو “النخبة الحاملة لمشروع الدولة”.

هذه النخبة يجب أن تكون إفرازًا حقيقيًّا لأحلام الأغلبية، مجموعات نخبوية مهمومة بالشأن العام تلتصق بالمجتمع، وتحمل رؤيتها الوجودية الجديدة لليبيا ككل، متجاوزةً منطق القبيلة والمدينة، قافزةً على الولاءات الصغرى التي أنتجتها البنية الحالية؛ بنية المال الفاسد والسلاح والابتزاز.

هذه النخبة يجب أن تتبنَّى قطيعة واضحة مع بنية الفساد والسلاح المشار إليها في هذا المقال، وأن تتحلَّى بنوع من الزهد السياسي في هذه المرحلة بالذات، ويتسم عملها بشكل نضالي يتم معه تأجيل طموحاتها السياسية المشروعة لفترة أطول، وهذا النهج مبعثه ليس أخلاقيًّا فحسب، بل هو مسلك استراتيجي لكسب المصداقية ومحاولة لصناعة القدوة وزراعة الأمل للمستقبل، وكذلك لقطع الطريق على اتهامات الانتهازية والبراغماتية السياسية المتوقع مواجهتها على نطاق واسع.

وعلى مستوى التحرك التكتيكي العملي، يجب أن تحافظ هذه النخبة على مسافة نقدية من جميع الأطراف في الداخل والخارج. في الداخل، لا تتوقف النخبة عن الحديث عن المشروع الوطني أو مشروع الدولة. المشروع الذي يقدم بديلاً مناسبًا للفوضى، أو السردية المناهضة للابتزاز والنهب والفساد. مشروع تحتكر فيه الدولة شرعية السلاح وتعيد تعريف مفهوم المواطنة على أساس الحقوق والواجبات، لا على أساس الانتماء الجهوي أو القبلي، ودون تغوُّل أو تجيير لهذا السلاح مناطقِيًّا أو عرقيًّا أو دينيًّا أو اجتماعيًّا أو سياسيًّا.

في الخارج، تطرح هذه النخبة التأسيسية رؤية واقعية للعلاقات الدولية قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام، وليس التبعية والارتهان، حيث قوتها في التفاوض مع العالم نابعة من قوة ارتباطها بمجتمعها والتصاقها بقضايا الوطن الكبرى.

بشيء من الثقة، يمكن القول إن ليبيا ليست عند مفترق طرق جغرافي أو سياسي، بل عند مفترق طرق وجودي، الخيار ليس بين استمرار الوضع الحالي أو تغييره على مستوى السطح -وإن كان إيجاد حكومة موحدة هو أولوية الأولويات في اللحظة السياسية الراهنة- بل بين نوعين من الوجود: إما المُهْدَر في “الزمن الدائري” الذي يكرر ذاته ويعتمد على الابتزاز والسلاح والنهب، والذي مؤداه دون شك انهيار كامل للدولة وحتى الوطن بحدوده المعروفة، أو الوجود الفاعل الذي يصنع زمنه وخطاه إلى الأمام نحو بناء الدولة.

في النهاية، وبشكل موضوعي، النخبة التأسيسية ليست حلمًا طوباويًّا أو ترفًا سياسيًّا، بل هي فرصة وإمكانية تاريخية تتطلب شجاعة وطنية قبل أن تكون سياسية صِرفة، شجاعة على مواجهة العنت والتهديد والفساد وتكميم الأفواه والابتزاز، وصبرًا على بناء الشرعية ومفهوم الدولة حجرًا حجرًا، عبر التواصل والعمل الجماعي المتراكم.

إنها عملية ولادة جديدة للمجتمع السياسي الليبي، حيث تكون الإرادة الجماعية هي التي تصنع التاريخ، لا أن تكون مجرد سطور أو بضعة مواقف من تاريخ يصنعه الآخرون. وبالطبع ومن البديهي أن النتائج لن تكون لحظية، ولكن استمرارها في العمل بحكمة وهدوء سيمنحها القوة التي لا تقهر في النهاية؛ قوة الشرعية الشعبية والمشروع الوطني الذي لا تستطيع بنية الفساد والسلاح والابتزاز ابتلاعه أو استيعابه، وسيكون في الصبح القريب حينها وطن دافئٍ فيه متسع للجميع .

You may also like