قدّمت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الدعم في ليبيا، هانا تيتيه، إحاطتها الدورية أمام مجلس الأمن الدولي حول تطورات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية في ليبيا، مؤكدة أن البلاد بحاجة إلى “قرارات شجاعة” للخروج من حالة الجمود، وأن الأمم المتحدة مستعدة لاعتماد نهج بديل إذا فشلت الأطراف الليبية في تحقيق التوافق المطلوب.
خارطة الطريق
أكدت تيتيه أن خريطة الطريق السياسية التي تيسرها بعثة الأمم المتحدة تهدف إلى توحيد مؤسسات الدولة وتجديد الشرعية عبر الانتخابات الرئاسية والتشريعية، معتبرة أن نجاح العملية السياسية مرهون بإرادة الأطراف الليبية.
وأعربت عن أسفها لعدم اتفاق مجلسي النواب والدولة حتى الآن على تعيين المناصب الشاغرة بمجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ووضع الإطار الدستوري والقانوني اللازم لإجراء الانتخابات، رغم مضي أكثر من شهرين على طرح البعثة لخارطة الطريق في أغسطس الماضي.
تعطيل وتشكيك
تيتيه أوضحت أن تأخر التوافق بين المجلسين يهدد فرص تنفيذ خريطة الطريق، مشيرة إلى أن العملية يمكن إنجازها خلال شهرين إن توفرت النوايا الصادقة.
وقالت إن ليبيا لا يمكنها احتمال المزيد من التسويف أو التعطيل، داعية القادة الليبيين إلى التحرك بشكل بنّاء خلال الشهر المقبل لإنجاز الخطوات الأولى في خارطة الطريق، بما يفسح المجال أمام التحضيرات للانتخابات المنتظرة.
نهج بديل
وضمن إحاطتها، كشفت المبعوثة الأممية أن البعثة ستتبع نهجًا آخر وتطلب دعم مجلس الأمن في حال استمرار التعثر، من أجل ضمان تنفيذ خارطة الطريق وتجاوز العقبات التي تعرقل المسار السياسي
حوار مهيكل
كما أعلنت أن البعثة تستعد لعقد حوار مهيكل موسع في نوفمبر المقبل، بمشاركة ممثلين عن مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، ضمن أربعة محاور رئيسية هي: الحوكمة، الاقتصاد، الأمن، والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، مؤكدة أن الهدف هو إشراك جميع المكونات الليبية في رسم رؤية وطنية جامعة.
الوضع الأمني
وفي الجانب الأمني، أكدت تيتيه انخفاض حدة التوتر في طرابلس بعد الاتفاق الذي جرى بين حكومة الوحدة وجهاز الردع بوساطة محلية ودعم تركي منتصف سبتمبر الماضي، داعية المجلس الرئاسي إلى الإسراع في وضع آلية لإصلاح القطاع الأمني في غرب ليبيا والمضي قدمًا في عملية التوحيد الأمني.
خلل مالي
اقتصاديًا، شددت تيتيه على أن إدارة المال العام ما تزال تعاني خللًا هيكليا كبيرا نتيجة غياب الميزانية الموحدة وضعف آليات الرقابة، مشيرة إلى انتشار غسيل الأموال وتهريب الوقود بسبب تفشي الفساد وضعف المساءلة.
وأعربت عن قلقها العميق إزاء إعلان مصرف ليبيا المركزي عن اكتشاف 6.5 مليار دينار غير مسجلة في فرع بنغازي، ما يرفع إجمالي الأموال غير المشروعة إلى 10 مليارات دينار هذا العام، معتبرة أن هذا التطور يقوّض الثقة في العملة المحلية ويبرز الحاجة إلى تعزيز النزاهة المالية.
مكافحة الفساد
ورحبت تيتيه بإطلاق الخطة الوطنية لمكافحة الفساد التي أعدها ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، واعتبرتها خطوة مهمة، لكنها ربطت نجاحها بـ “الإرادة السياسية الحقيقية” لضمان الشفافية واستقلال المؤسسات وعدالة إدارة الموارد.
ازدواج قضائي
وفي محور القانون، حذّرت تيتيه من الأثر السلبي لوجود مؤسسات قضائية متوازية ومتعارضة في الشرق والغرب، ما يؤدي إلى بلبلة قانونية وتآكل مؤسسات الدولة الحيوية، داعية إلى توحيد السلطة القضائية كشرط أساسي لاستعادة الثقة في مؤسسات الدولة.
المصالحة الوطنية
أما على صعيد المصالحة الوطنية، فأشارت المبعوثة الأممية إلى تقدم نسبي في جهود المجلس الرئاسي والاتحاد الإفريقي، مع عقد اجتماعين تحضيريين في طرابلس والزنتان خلال سبتمبر وأكتوبر، مؤكدة استمرار عمل البعثة على ملف المفقودين بالتنسيق مع الخبراء الليبيين لضمان توافق التشريعات مع المعايير الدولية.
تساؤلات المستقبل
ختاماً، تترك إحاطة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن سلسلة من التساؤلات المحورية حول مستقبل ليبيا: هل سيتمكن مجلسا النواب والدولة من تجاوز مصالحهما الضيقة وتوحيد المؤسسات بما يمهد لإجراء انتخابات حقيقية؟ وهل ستنجح البعثة الأممية في فرض ديناميكية إيجابية عبر الحوار المهيكل وخارطة الطريق؟ أم أن التعطيل سيستمر ويعمّق الانقسام؟