زليتن: نخلة وزيتونة ووادي ومئذنة على تخوم الساحل الغربي

منذ أن بدأ تدفق المياه في وادي عين كعام من بطن الأرض، وزليتن ترتع في نعيم الماء والخصب، فهي التي جمعت بين نعم الخالق: سيول الوديان المتدفقة، الماء العذبة التي لا تنقطع. وفي هذا اللقاء المبارك بين الماء والتراب، نبتت نخلة التمر، ونبتت سنابل الشعير والقمح، وأشجار الزيتون، فكانت زليتن سلة غذاء طرابلس الغرب ومؤونتها التي لا تنضب.

ومن نعمة النخيل التي لا تنتهي، أقامت زليتن صناعة باسقة لا تقل عراقة عن نخيلها. فلم يقتصر الأمر على التمر الطازج (الرطب)، بل ابتكر أهلها من التمر معجونًا شهيًا يُدعى الرُّبَّ يصنع بالعصر والطبخ حتى يصير كالعسل الأسود، قوتًا للأيام العجاف وعلاجًا للأجساد. كما حوَّلوا التمر إلى معجون متماسك يحفظ في أوعية فريدة من صنع أيديهم، هي البراسيل المحكمة الصنع من سعف النخيل، فتصبح كالقباب الصغيرة المصفحة، لا ينفذ إليها الهواء ولا الفساد. في تلك البراسيل، يظل التمر المعجون صالحًا للأكل سنوات طوالًا، ومعه زيت الزيتون ودقيق الشعير، كأنما الزليتنية خبؤوا قوت سنينهم في ثياب من السعف، شاهدًا على أن هذه الواحة كانت حضارة حرفية فذة .

تقع في زليتن فيلا دار بوك عميرة شمال المدينة، وهي تطل على البحر مباشرة، تلك الفيلا الرومانية التي شيدها أغنياء الرومان في الريف للاستخدام الخاص، حيث تعطي زائرها الانطباع عن الحياة اليومية السائدة في تلك الفترة، والتي اشتهرت بتميز أرضيتها الجميلة المغطاة بالفسيفساء الملونة المصورة واللوحات الجدارية الملونة. وتُعد لوحات الفسيفساء المكتشفة في هذه الدار من أقدم وأندر وأدق لوحات الفسيفساء في العالم، التي أعطت تاريخًا مصورًا لتلك الحقبة والتي تعود إلى القرن الأول الميلادي.

وُجد بها أرضيات الفسيفساء التي نُقلت إلى مجمع المتاحف بالسرايا الحمراء، ومن أهم تلك الأرضيات: لوحة الفصول الأربعة، ولوحة المصارعين، ولوحة الحياة الطبيعية، والحياة الريفية، وحياة الصيد.

كما أنه في العصر الحديث، وفي عهد المحتل الإيطالي، شُيد قصر سُمي بقصر الغزالة؛ لأنه كان يصطاد الغزال في سهول مدينة زليتن ويقيم في هذا القصر.

لكن أعظم ما ميز هذه البقعة الطيبة، أن الماء والغلال لم يكونا مجرد قوت للأجساد، بل كانا وقودًا للعلم والروح. فمنذ خمسمئة سنة، حين وطئت قدما الشيخ الأسمر الفيتوري أرضها، تحولت زليتن من واحة زراعية إلى قبلة للعلماء وطلاب المعرفة. جعلها الشيخ الأسمر عاصمة روحية فهي مثوى ولي ومئة ولي، تخرج فيها الرجال وعليها تتلمذت الأجيال، فصار المسجد مدرسة، والزاوية جامعة، وزليتن بأسرها حاضنة للعلم والتصوف والصلاح.

كانت عين كعام تنبض بالماء العذب، كما كان قلب الشيخ الأسمر ينبض بالحكمة، فامتزج العطاءان: عطاء الأرض وعطاء الروح. وحُفرت القنوات من العين إلى المزارع، كما حُفرت طرق العلم من القلب إلى الآفاق. وتوافد إلى زليتن طلاب العلم من كل فج عميق، من فزان وبرقة والجبل الأخضر، بل ومن أقصى المغرب العربي، يأكلون من تمرها وبازين شعيرها، ويشربون من مائها، وينهلون من علم شيخها.

هذه الخصوصية جعلت من زليتن كيانًا مستقلاً بذاته، لا تذوب في عواصم الساحل مثل طرابلس. كانت مملكة قائمة بذاتها، مملكة الشعير والتمر والزيت والزيتون والعلم والماء. كانت زليتن حزام خير يطوق طرابلس، وهي تمدها بالغلال والعلماء والأولياء.

وما زالت عين كعام تتدفق حتى اليوم، وما زال ضريح الشيخ الأسمر قبلة الزائرين، وما زالت زليتن تحتفظ بخصوصيتها: هي مدينة التمر والماء، مدينة الشعير والقمح وزيت الزيتون، مدينة العلم الذي لا يموت. وفي ليبيا حيث ندرة الأنهار الجارية، تبقى زليتن نموذجًا لما يمكن أن تصنعه قطرة ماء، ونخلة، وزيتونة، وعالم رباني يزرع العلم كما يزرع الفلاح البذرة.

فوزي عمار

كاتب

Related posts

الاتفاقات الدولية: هل تكفي إرادة السلطة التنفيذية الفعلية إلزام الدولة؟

إيران تستخلص الدرس الخاطئ من تجربة ليبيا

يا ابن المحظوظة.. قصة جائزة خرجت من بين الكبار