بعد غياب دام أشهرا، صوّت مجلس النواب على مشروع قانون يقضي برفع مرتبات منتسبي الجيش بنسبة تصل إلى 150%، في خطوة بدت سياسية بقدر ما هي مالية، وتفتح أبوابا واسعة للأسئلة أكثر مما تقدّم إجابات.
المشروع المُحال من نائب “قائد القيادة العامة” صدام حفتر، يستهدف شريحة واسعة تضم أسر الشهداء، والأسرى، والمفقودين، وجرحى العمليات العسكرية، ويُقدَّر عدد المستفيدين بنحو 200 ألف عنصر على مستوى البلاد، رقمٌ ثقيل في ميزان اقتصاد هش، وسلّة إنفاق بالكاد تحتمل مزيدا من الأعباء.
اقتصاديا، يضع القرار السلطتين المالية والنقدية أمام اختبار صعب، فبند المرتبات الذي يقترب من تجاوز عتبة 62 مليار دينار ليبي، مرشح للارتفاع مجددا، في وقت تحذّر فيه المؤشرات من تضخم إضافي وعجز متنام في الميزانية العامة.
ومطلع ديسمبر الجاري، كشف مصرف ليبيا المركزي عن تراجع ملحوظ في التدفقات النقدية المحالة من المؤسسة إليه، بمتوسط لا يتجاوز نصف مليار دولار يوميا خلال الفترة الأخيرة، ما يضيّق هامش المناورة أمام السياسة النقدية.
وردت المؤسسة في مراسلة حصلت عليها فواصل حصريا، أن ما ذكره المركزي غير دقيق، معتبرة أن تكرار خطاب “تراجع الإيرادات” يُستخدم كأداة اتهام تُحمَّل عبرها مسؤولية إخفاقات عامة دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة.
الأرقام الأوسع لا تبدو أقل قتامة، فقد سجّل ميزان النقد الأجنبي عجزا بلغ 7.8 مليارات دولار خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر، مقابل إيرادات نفطية وردت إلى المصرف المركزي بنحو 20.7 مليار دولار فقط.
ويأتي ذلك في ظل بيئة دولية ضاغطة، مع تراجع أسعار النفط العالمية بفعل توترات الشرق الأوسط، حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت تسليم فبراير إلى نحو 62 دولاراً للبرميل، بانخفاض قدره 2.36%، ما يهدد مباشرة مداخيل الدولة الريعية.
وسط هذا المشهد، تعود الأسئلة الثقيلة إلى الواجهة، هل تتسق هذه الزيادة مع واقع مالي يتآكل؟ وكيف يمكن تمويلها في ظل تحذيرات المصرف المركزي المتكررة من تراجع قيمة الدينار، الذي يلامس 8.7 دينار للدولار الواحد، واستمرار التوسع في الإنفاق شرقاً وغرباً؟