تُوجت الروائية الليبية المتميزة “عائشة الأصفر” مؤخراً بجائزة القدس الدولية لإبداع المرأة العربية الأدبي عن روايتها “إيشي”، لتضيف إنجازاً جديداً إلى مسيرتها الأدبية الثرية التي تتسم بعمق الرؤية وجرأة الطرح. تتسم روايات الأصفر من “من اللي قتل الكلب” و”اغتصاب محظية” و”علاقة حرجة” و”خريجات قاريونس” و”النص الناقص” وصولاً إلى “إيشي”، بملامح سردية واضحة تضعها في مصاف الأصوات الروائية الليبية العربية المجددة. لمن يعرف الكاتبة عائشة الأصفر يدرك طبع الريادة الذي رافق مسيرتها الحياتية بداية من الحركة الكشفية إلى أول امرأة ليبية تقود طائرة، وغيرها من الأدوار الاجتماعية التي نراها الآن ماثلة في تجربتها الروائية.
لغة السرد الكاشفة والهادئة
تمتلك عائشة الأصفر أسلوباً سردياً، يمكننا وصفه بالمميز أو الفريد، فهو يجمع بين اللغة الهادئة -إيقاعًا- والعمق الكاشف. إنها لغة تتجنب الصخب والمباشرة، لكنها في ذات الوقت تخترق الأعماق لتكشف عن الجراح والأزمات بـسهولة وجاذبية تمنح القارئ صورة واضحة عن المشهد. هذه السهولة ليست سطحية أو عدم معرفة، بل هي نتاج قدرة فنية على تطويع اللغة لتعكس تعقيدات الواقع والنفس البشرية بوضوح آسِر، وهي ربما استفادت من تجربتها في دراسة الفلسفة في فهم إمكانات اللغة وعمق تأثير الخطاب الهادئ في النفس البشرية. هذا الأسلوب يشد القارئ ويجعله يتفاعل مع التفاصيل ويدركها دون عناء.
الغوص فيما وراء العلاقات الإنسانية
لا تتوقف روايات الأصفر عند حدود العلاقات الإنسانية الظاهرة، بل تغوص بعمق فيما وراء هذه العلاقات؛ لتكشف عن دوافعها الخفية، وصراعاتها الداخلية، والتناقضات التي تحكمها، في محاولة للقبض على اللحظات الفارقة في هذه العلاقات، ودورها في تحريك شخوص الرواية وتحفيزهم.
في رواية “النص الناقص”؛ على سبيل المثال، نرى كيف تتشظى الذات وتُتهم بالجنون بسبب التمرد على السائد، ما يعكس بحثاً فلسفياً في أغوار النفس ومسالكها الملتوية. كما تبرز هذه المقاربة في رواية “علاقة حرجة” التي تتناول الشرخ الوجودي والإنساني على خلفية مرحلة مضطربة.
قضايا المجتمع واستلهام الواقع اليومي
تعد قضايا المجتمع الليبي والعربي المعاش، بما فيها من إهمال وتسيب وقوة تلتهم الضعيف، مادة أساسية في أعمال الأصفر، مما يؤكد ارتباطها بالمجتمع وقربها من يومياته. إذ تستلهم الكاتبة نماذج من واقعها اليومي المعاش، لتقدم نقداً لاذعاً ومؤثراً، وكما أشرنا سباقًا بلغة هادئة. ففـ “إيشي” على سبيل المثال، تناولت الهم الإنساني للأفراد المهمشين، والعنف، والإقصاء، فيما ركزت رواية “اغتصاب محظية” على قضايا القوة والضعف والذل في سياق اجتماعي معين، ما يؤكد على رسالتها في تعرية قبح الواقع.
صور وأدوار المرأة: فاعلية رغم الضعف الظاهر
تُعدّ المرأة عنصراً محورياً في روايات عائشة الأصفر؛ بل ربما تكون المحور الأهم، فهي ليست مجرد ضحية، بل غالباً ما تظهر كـعنصر فاعل في المجتمع، رغم الصورة النمطية لـلضعف التي قد تُفرض عليها.
ففي “خريجات قاريونس”، تتناول قضايا الفتيات ودورهن. وفي “النص الناقص”، ترمز مريم، الباحثة والمتمردة، إلى ضحايا العقل الذي يرفض السائد، رغم نهاية القهر. حتى في أشد صور الضعف مثل شخصية المحظية، نجد لديها محاولة للحفاظ على الكرامة، وفي “إيشي” نجد الشخصية الرئيسية تحافظ على شرفها وكرامتها رغم كل شيء.
المرأة عند الأصفر هي حاملة الهم الإنساني، ورمز للمقاومة والصبر، وذاكرة للمجتمع ومكابداته.
أفكار غير مسبوقة وتجريب فني
تنحو الأصفر في بعض أعمالها إلى الابتكار والتجريب في البناء الروائي والأفكار المطروحة، وهو ما يمكننا إرجاعه لسببين، طبع الريادة الذي طبع حيالتها مبكرًا، وقراءاتها المتعددة.
في روايتها “علاقة حرجة”، نجد فكرة انتقال الذاكرة وتلبسها لجسد شخصية أخرى (ذاكرة عالمة الذرة سميرة موسى في جسد “جبر”)، مما يفتح أفقاً غرائبياً وفلسفياً للاشتباك مع الواقع المعاصر، والليبي تحديدا في شبكة من التداخلات والمستويات المعرفية.
أما في “النص الناقص”، تدور الأحداث حول شخصية تُتهم بالجنون لتمردها، ويظل سر “النص الناقص” مدفوناً مع موتها، ما يمثل لغزاً فنياً يثير التساؤل حول الشعرة الفاصلة بين الحقيقة والجنون.
وها هي في روايتها الفائزة “إيشي”، تتكئ على مخزونها الشعبي؛ الثقافة الشعبية والأسطورة والخرافة، لخدمة السرد وشحنه بطاقات فنية متنوعة، مستفيدة من خلفيتها الفلسفية، ما يجعله نصاً مختلفاً وضاجًا بالحياة.
تجديد الرؤية: التجريب الفني والرمزية العميقة
لا يقتصر تميز الأصفر على سلاسة السرد واللغة الهادئة القادرة على الغوص عميقًا، بل يتجلى في جرأة أفكارها وابتكارها الفني الذي يدفع الرواية الليبية نحو آفاق جديدة. روايتها الفائزة “إيشي”، التي تتخذ من ذاكرة الصحراء مساحة للبحث عن الذات والهم الإنساني، اعتمدت على توظيف مكثف لـلأسطورة والخرافة والمكونات الثقافية الشعبية، لتصبح منصة لتعرية قبح الواقع وإبراز صراع المهمشين الذين يصرون على الحفاظ على كرامتهم.
وفي ذات السياق، تبرز رواية “علاقة حرجة” بفكرتها غير المسبوقة، حيث يتم نقل ذاكرة عالمة الذرة المصرية سميرة موسى إلى جسد الشخصية المحورية “جبر”، في محاولة لـمعاينة شرخ وجودي وإنساني عميق حدث في مدينة سرت بعد عام 2011. هذا التداخل الغرائبي يمثل تجريباً سردياً يكسر بنية النص الكلاسيكي ويفتح الباب أمام النقد والمحاسبة الفلسفية للواقع الممزق، على جميع المستويات.
أما “النص الناقص”، فهو رحلة عميقة في رمزية المرأة، حيث تتحول البطلة “مريم” إلى رمز للوطن الذي يعاني من أزمة العقل والتمزق الاجتماعي. اتهام مريم بالجنون ووضعها في المصحة العقلية هو تصوير مجازي لمجتمع يخشى عدوى الأفكار المتمردة ويرفض مساءلة السائد أو الواقع المفروض. وقد استعانت الأصفر في هذه الرواية بـالميتافيزيقا وازدواجية السرد لتعميق دلالة القهر والبحث عن الحقيقة الغائبة.
ختامًا
إن تجربة الكاتب عائشة الأصفر، تجربة تعكس الواقع، أو هي بالفعل مرآة للواقع الليبي والعربي، بلغة متدفقة هادئة، ورؤية متأملة وفلسفية، تضيء الزوايا المعتمة في النفس والمجتمع، لتؤكد أن الكتابة لديها محاولات خلاص لا ينتهي، وأنها ما زالت طالبة فلسفة في محراب الحياة والإبداع. إن هذا التنوع في الأدوات والموضوعات يؤكد أن الأصفر تنظر للرواية كأداة للـخلاص لا تنتهي، تقتحم العوالم المخبأة برؤية إبداعية متميزة.