نقلت وكالة الأناضول في موقعها الإلكتروني مقالا للكاتب فرحات بولات – الباحث الأول في مركز أبحاث TRT World، تحدث فيه عن:
– صفحة جديدة في سياسة تركيا تجاه ليبيا عبر لقاء رئيس مخابراتها إبراهيم قالن مع خليفة حفتر في بنغازي.
-الخطوة تعكس رغبة أنقرة في بناء قنوات تواصل مع الشرق الليبي، إلى جانب شراكاتها مع الغرب.
-وضع اتفاقية الحدود البحرية والتعاون في الطاقة في صدارة الاهتمام المشترك.
-تحرك تركي يعكس سياسة أكثر واقعية تهدف إلى دعم الاستقرار وإعادة بناء الدولة الليبية.
نص المقالة:
لقاء رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، إبراهيم قالن، بقائد “القيادة العامة” خليفة حفتر في بنغازي، يمثل أول تواصل رفيع المستوى بين أنقرة والسلطات في شرق ليبيا منذ سنوات طويلة، ويعكس حرص تركيا على إبقاء قنواتها الدبلوماسية مفتوحة مع جميع الأطراف الفاعلة داخل ليبيا.
يأتي اللقاء ضمن إطار دبلوماسي وأمني موسع بين تركيا وليبيا، يهدف إلى دعم الوحدة الوطنية وتعزيز الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، ولا سيما تلك المتعلقة بشرق المتوسط.
سبق اللقاء اجتماع ثلاثي عُقد في مدينة إسطنبول يوم 1 أغسطس، ضم تركيا وإيطاليا وليبيا، حيث أُعلن عن دعم واضح من الدول الثلاث لمسار سياسي يقوده الليبيون تحت مظلة الأمم المتحدة، مع التشديد على وحدة وسيادة ليبيا.
وقد وقع البلدان عام 2019 اتفاقية لترسيم مناطق النفوذ البحري بينهما في شرق المتوسط. وشكلت هذه الاتفاقية منعطفًا إستراتيجيًا على مستوى المنطقة، وأسست لقاعدة تعاون في قطاع الطاقة. وكان البرلمان الليبي في الشرق قد شكّل لجنة تقنية لإعادة دراسة الاتفاق، ما يُعد مؤشرًا على إمكانية التوصل إلى توافق قريب يخفف من التوترات ويوسع نطاق التعاون بين الأطراف المختلفة.
وفي حال تمت المصادقة الرسمية على اتفاقية شرق المتوسط، فقد يتمكن الجانبان من الشروع في عمليات التنقيب والمسح الزلزالي، الأمر الذي قد يشجع أطرافًا إقليمية أخرى، مثل مصر، على البحث عن صيغة تعاون مماثلة مع أنقرة. كما وقعت ليبيا مؤخرًا مذكرة تفاهم مع شركة النفط التركية (TPAO) للتنقيب الاستكشافي في أربعة مواقع بحرية.
وتسعى تركيا إلى إقامة علاقات مع القوى الفاعلة في شرق ليبيا عبر خطوات ملموسة، مثل تنفيذ مشاريع للبنية التحتية، وإنشاء قنوات سياسية بديلة لاقتصارها في السابق على الجانب الغربي فقط. وقد سبقت اللقاء زيارة عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، إلى أنقرة، ما يعكس رغبة تركيا في تعزيز دورها كشريك جدي في الشرق الليبي.
ولا تهدف أنقرة فقط إلى تثبيت الاتفاقيات الدبلوماسية، بل تسعى أيضًا إلى المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة الليبية من خلال دعم الأمن والاستقرار ومكافحة التشرذم. وتعتمد هذه الإستراتيجية على الحوار الشامل، ودعم القوى الوطنية، وإنهاء الفوضى الأمنية التي تعيق مسار الانتقال الديمقراطي.
إن زيارة قالن إلى بنغازي تعكس نضج السياسة التركية في ليبيا، من حيث الشكل والمضمون، إذ تراعي مصالح الطاقة والاتفاقيات الأمنية، لكنها ما زالت في مواجهة تحدٍّ كبير يتمثل في تحويل هذه المكاسب إلى استقرار فعلي يقود نحو بناء دولة وطنية فعّالة.