وسط تصاعد الجدل حول شح السيولة وأزمة المرتبات، ردّ رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان على بيان مصرف ليبيا المركزي، نافياً دقة ما ورد بشأن تدني توريد الإيرادات النفطية، ومعتبرا تحميل المؤسسة مسؤولية الأزمة “تبسيطاً مخلّاً” لواقع مالي أكثر تعقيدا.
تفنيد الاتهام
وأكد سليمان أن تفسيرات فنية ومالية قُدمت مسبقا خلال اجتماع رسمي بديوان المحاسبة بحضور المحافظ، الذي أبدى حينها تفهماً للموقف، معتبرا أن خطاب “تراجع الإيرادات” عاد أداة اتهام تُعلّق عليها إخفاقات الأداء المالي دون معالجة جذورها.
وبرأيه، لا تكمن الأزمة في حجم الإيرادات وحده، بل في غياب أولويات إنفاق واضحة لدى المصرف المركزي، ما أضعف قدرة الدولة على إدارة التزاماتها.
خلل بنيوي
واستغرب سليمان الحديث عن عجز في تغطية مرتبات ديسمبر، في وقت أعلن فيه المصرف بيع 2.1 مليار دولار خلال النصف الأول من الشهر، وأنه مؤشر على خلل بنيوي في ترتيب الأولويات، إلى جانب حجب مخصصات المحروقات من النقد الأجنبي، ما عطّل الإمدادات الحيوية.
تبرير المؤسسة
وأرجعت المؤسسة تراجع الإيرادات إلى عدم تسييل ميزانيتها لعام 2025 وصرف أقل من 20 في المئة من ميزانية 2024، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط بنحو 11 دولاراً للبرميل وارتفاع الاستهلاك المحلي.
تراجع حاد
في الجهة المقابلة، أعلن مصرف ليبيا المركزي تسجيل تراجع حاد في قيمة الإيرادات النفطية الموردة إليه منذ بداية ديسمبر وحتى 21 من الشهر، إذ لم تتجاوز 581 مليون دولار.
وفي لهجة غير معتادة، حمّل المصرف المؤسسة الوطنية للنفط مسؤولية عدم توريد الإيرادات بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة، معتبرا أن هذا الخلل ساهم مباشرة في تفاقم الأزمة المالية وتقييد قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
تدني مستمر
وكان بيان الإيراد والإنفاق الصادر عن المصرف المركزي لشهر نوفمبر قد كشف تسجيل عجز بنحو 7.8 مليار دولار، عزاه إلى التدني المستمر في الإيرادات النفطية منذ سبتمبر، مشيرا إلى أن تغطية هذا العجز تمت عبر عوائد الاستثمارات والودائع والذهب، وهي حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة.
الدفع بالإنابة
وفي سياق متصل، كشفت معلومات حصلت عليها فواصل في 22 نوفمبر الماضي، عن لجوء عدد من الشركات التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط إلى آلية “الدفع بالإنابة” لتغطية مصاريفها التشغيلية، عبر تمويل أجنبي مقابل شحنات من النفط الخام.
ورغم تأكيد مصدر مسؤول بالمؤسسة أن هذه الآلية “قانونية ومحدودة القيمة” ولا تتجاوز كونها انفراجا مؤقتا للحفاظ على استقرار الإنتاج، إلا أن توقيتها وتزامنها مع تراجع التوريد للمصرف المركزي يثيران تساؤلات بشأن أثرها الفعلي على تدفقات الإيرادات.
ميزانيات ضخمة
غير أن معلومات موثقة أخرى حصلت عليها “فواصل” تضع الرواية الرسمية في مواجهة واقع مالي مختلف، إذ تظهر البيانات تخصيصات حكومية متواصلة وضخمة لصالح مؤسسة النفط خلال السنوات الأخيرة، بعضها بعشرات المليارات، لدعم خطط رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً.
وتشير وثائق إلى برنامج مالي أُعد عام 2022، استنادا إلى قرار من مجلس وزراء حكومة الوحدة، تضمّن ترتيبات مالية مؤقتة وتحويل التزامات بقيمة 6.43 مليون دينار إلى حساب المؤسسة تحت رقابة ديوان المحاسبة، مع تمويل خطط زيادة الإنتاج إلى 1.45 مليون برميل يوميا.
كما كشفت المعلومات إدراج ميزانيات المؤسسة وشركاتها ضمن الباب الثالث من الميزانية العامة، مع استمرار تنفيذ حوالات بالإيرادات النفطية عبر المصرف الليبي الخارجي، والعودة إلى الآلية السيادية السابقة لنقل الإيرادات إلى حسابات وزارة المالية لدى المصرف المركزي.
وتؤكد بيانات أخرى منح المؤسسة عام 2022 ميزانية استثنائية بقيمة 34.2 مليار دينار بموجب القرار رقم 384، خُصصت للنفقات التشغيلية والخطط التنموية وتسوية التزامات سابقة.
2 مليون برميل
وكان رئيس المؤسسة الوطنية للنفط السابق فرحات بن قدارة قد أكد خلال اجتماع مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة في يونيو 2024، أن الهدف الاستراتيجي للمؤسسة يتمثل في رفع الإنتاج إلى مليوني برميل يومياً بحلول نهاية عام 2025، قبل أن يغادر منصبه مطلع العام الجاري.