خلال ثلاثة أيام فقط تحرك الملف الليبي بسرعة غير معتادة
بدأ المشهد بوثيقة المبادئ الصادرة عن الرئاسات الثلاث، ثم جاء بيان القيادة العامة الذي تعامل مع المبادرة الأمريكية باعتبارها فرصة واقعية، ثم صدر موقف مسعد بولس الذي ثمن دعم القيادة العامة، وبعد ذلك جاء بيان جامعة الدول العربية مرحبا بوثيقة الرئاسات الثلاث، رغم أن كثيرا من المتابعين مروا عليه بسرعة ولم يتوقفوا عند معناه.
ثم جاء اجتماع القاهرة الذي جمع مصر والسعودية وتركيا والولايات المتحدة، بحضور مسعد بولس، والأمير فيصل بن فرحان، وهاكان فيدان، والدكتور بدر عبدالعاطي. هذا الاجتماع وضع الملف الليبي داخل غرفة تنسيق إقليمية ودولية، ولم يتركه في حدود البيانات المحلية فقط.
لكن الصورة الأكثر لفتًا كانت في حضور اللواء حسن رشاد، رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، ضمن مشهد الزيارة والاجتماعات. هذا الحضور لا يقرأ كبروتوكول عادي. عندما يحضر رئيس المخابرات المصرية في ملف ليبيا، فالمعنى أن القاهرة تتعامل مع الملف من زاوية الأمن القومي المباشر، لا من زاوية الدبلوماسية وحدها.
ليبيا بالنسبة لمصر ليست ملفا سياسيا بعيدا. هي حدود غربية، وامتداد أمني، وتوازنات شرق وغرب، وترتيبات عسكرية وأمنية، ونفوذ تركي، وحركة أمريكية، ومسار محتمل لتوحيد السلطة التنفيذية. لذلك تبدو القاهرة حريصة على أن تكون داخل المبادرة، لا على هامشها، وأن تضع أي مسار أمريكي تحت عين تقديرها الأمني والسيادي.
اللافت أيضا أن اجتماع طرابلس جرى في غياب واضح لرئيس جهاز المخابرات الليبي كنظير مباشر في هذا المستوى. هذه ملاحظة لا تخص الأشخاص بقدر ما تخص وضع الدولة الليبية. الخارج يحضر بأجهزته ومؤسساته وتقديراته، بينما الداخل ما زال موزعا بين حكومات ومجالس ومؤسسات غير موحدة.
إن المبادرة الأمريكية لم تعد مجرد تصريح لمسعد بولس، ولم تعد مجرد رد على بيان الرئاسات الثلاث. نحن أمام مسار تسوية تحاول واشنطن دفعه، وتحاول القاهرة ضبطه، وتعمل تركيا والسعودية على التموضع داخله، بينما تحتاج ليبيا إلى مؤسسة موحدة قادرة على التفاوض باسم الدولة لا باسم الانقسام.
الرسالة المصرية تبدو واضحة: لا تسوية في ليبيا تمر فوق حسابات الأمن القومي المصري، ولا ترتيب سياسي قابل للحياة من دون فهم من يملك القدرة على ضبط الأرض والمؤسسات والحدود.