على مدار السنوات الماضية، شارك رجل الأعمال حسني بي بتصريحات متعددة عن واقع الاقتصاد الليبي، لكنها كانت متفرقة وموزعة عبر مناسبات مختلفة، ما صعّب على الكثيرين فهم رؤيته كاملة.
في هذا اللقاء الحصري مع فواصل، جمعنا أفكاره بشكل مبسط ومنسق لنكشف تقييمه للوضع الاقتصادي الحالي، ونطرح الحلول التي يؤمن بها لضمان استدامة المالية، وحماية حقوق المواطنين، وبناء مستقبل واعد للأجيال القادمة.
-هل ليبيا مهددة بانهيار اقتصادي وشيك بسبب الأزمة النقدية والمضاربة في السوق؟
رغم تصاعد المخاوف، لا خطر مباشر يهدد بانهيار الاقتصاد الليبي، فاحتياطيات البلاد تكفي لتغطية الواردات لأربع سنوات، لكن الأزمة الحقيقية تكمن في السياسات النقدية المرتبكة والانقسام المالي، حيث تحولت المضاربة من مجرد نشاط اقتصادي إلى حالة من التلاعب المنظم تهدد الاستقرار وتستنزف الثقة في النظام المالي.
-ما الجذور الحقيقية لأزمة المضاربة في ليبيا ولماذا تُعد خطرا على الاقتصاد؟
أزمة المضاربة في ليبيا ليست طارئة، بل نتاج تراكم أخطاء في السياسات المالية، بدأت باستغلال سعر الصرف الثابت الذي وفر للمضاربين أرباحا مضمونة دون أي مخاطرة، هذا النمط شوّه مفاهيم السوق، وخلق بيئة غير عادلة تُهدر موارد الدولة وتُقوّض المصلحة الوطنية.
-كيف يتحول النفط في ليبيا من نعمة وطنية إلى أداة بيد المضاربين؟
رغم أن النفط يمثل شريان الاقتصاد الليبي ومصدر رزق مشترك لـ8.6 مليون مواطن، إلا أن عوائده تُستغل بطرق تضر بالصالح العام، فمصرف ليبيا المركزي يبيع يوميا نحو 100 مليون دولار، يُعاد تداول جزء كبير منها في السوق الموازية بأسعار أعلى، ما يُدر أرباحا خيالية لفئة صغيرة من المهربين والمضاربين، بينما يتحمل المواطن العادي عبء هذه الفوضى الاقتصادية.
-ما الخلل الحقيقي وراء تفاقم المضاربة في سوق العملة بليبيا؟
الخلل لا يكمن في كمية بيع الدولار، بل في وهم السعر الرسمي، الذي يُباع به الدولار بأقل من قيمته الحقيقية لتحقيق توازن وهمي في المالية العامة. هذا الفارق الكبير بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء فتح الباب أمام موجة مضاربة محمومة، حيث يشتري البعض الدولار بسعر مدعوم ويعيدون بيعه بأرباح هائلة، في استنزاف مستمر للاقتصاد الوطني وحقوق الأجيال القادمة.
-لماذا يُعد السعر الرسمي للدولار جزءا من أزمة السوق الليبية وليس حلا لها؟
السعر الرسمي، بدل أن يضبط السوق، أصبح مظلة تحمي المضاربين من الخسارة، ما يضمن لهم أرباحا ثابتة ويعطل أي إصلاح حقيقي، وفي ظل التزامات المركزي بشراء 12 مليار دينار شهريا مقابل 1.8 مليار دولار فقط من العائدات النفطية (بعد استثناء المحروقات وحصة الأجنبي)، تتشكل معادلة مختلة تزيد من الضغوط على الاقتصاد، حيث يُحدد 93% من سعر الصرف بناء على طلب داخلي غير منتج، يغذي دائرة المضاربة والفوضى النقدية.
-كيف تؤثر السياسات النقدية الحالية على الاقتصاد الليبي ومعيشة المواطنين؟
تؤدي السياسات الحالية إلى هدر عشرات المليارات سنويًا عبر التهريب والمضاربة وسوء إدارة العملة، ما يحرم الليبيين من حقهم في الاستفادة العادلة من ثروات بلادهم. هذه الفوضى تعمّق الفقر وتضعف فرص التنمية، ليبقى المواطن يدفع ثمن أخطاء تُغني القلة وتُفقِر الأغلبية.
-كيف يساهم التزام البنك المركزي بتمويل الإنفاق العام في تعميق الأزمة الاقتصادية؟
لأن المركزي يُجبر شهرياً على شراء 12 مليار دينار مقابل بيع 1.8 مليار دولار من عائدات النفط لتغطية الإنفاق العام، ما يخلق معادلة مالية مختلة تُحدد 93% من سعر الصرف، وتزيد من التشوهات في السوق وتضعف قدرة الدولة على تحقيق استقرار اقتصادي حقيقي.
-ما الحل الجذري للأزمة الاقتصادية في ليبيا وفقًا للخبراء؟
الأزمة الليبية هي نتيجة حتمية لمنظومة اقتصادية غير طبيعية، ولا حل إلا بتطبيق قانون الأنشطة الاقتصادية (23/2010) ووضع سياسات نقدية واضحة تُنهي فوضى المضاربة وتهريب المحروقات. المطلوب وقفة جادة من صانعي القرار ووعي مجتمعي يُمهّد لتحول اقتصادي عادل ومستدام يخدم كل الليبيين، لا فئة على حساب أخرى.
-لماذا يُعد السعر الرسمي عائقاً أمام إصلاح سوق الصرف في ليبيا؟
لأن فرض سعر رسمي لا يُحدّد وفقاً لقانون العرض والطلب، بل يخلق أرضية مضمونة يربح من خلالها المضارب، مما يُفرغ مفهوم المضاربة الحرة من معناها. لذلك، فإن تحرير سعر الصرف أصبح ضرورة لضمان عدالة السوق وكبح التلاعب.
-كيف تخلق سياسات التسعير غير الواقعية بيئة خصبة للمضاربة والربح غير المشروع في ليبيا؟
عندما تُباع السلع بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، مثل الدولار بسعر رسمي 6.45 دينار رغم وجود طلب بسعر 7.45، أو الوقود بـ150 درهم رغم أن تكلفته 4 دنانير، تُفتح أبواب المضاربة على مصراعيها. هذه الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الفعلي تخلق “مستنقعات” اقتصادية، يجني منها المضاربون أرباحًا مضمونة دون أي مخاطرة، بعكس المضاربين الحقيقيين الخاضعين لقانون الأنشطة الاقتصادية، الذين يتحركون ضمن هامش ربح وخسارة طبيعي.
-ما هو الموقف من الدعم غير المباشر وممارسات مثل “التورق” في الاقتصاد الليبي؟
لا نؤمن بأي دعم سوى الدعم النقدي المباشر للمواطن، فكل دعم غير مباشر ما هو إلا شكل من “السرقة المشرعنة” باسم حماية المواطن، بينما الحقيقة أن المواطن يُستخدم كشعار يُغطي على مصالح ضيقة.
أما ما يُعرف بـ”التورق” مثل شراء السيارات بنظام المرابحة فقط للحصول على سيولة، فهو سلوك اقتصادي غير سليم، تلجأ له بعض الفئات بسبب غياب البدائل، رغم أنه يؤدي لخسائر مؤكدة، ولذلك تمنعه بعض الدول.
وفي ختام المقابلة بيّن رجل الأعمال حسني بي، أن هذه قراءته للمشهدين الاقتصادي والنقدي في ليبيا، مستندا إلى مراسلات وحوارات حديثة، ويهدف إلى إبراز التحديات الجوهرية التي تثقل كاهل الاقتصاد الوطني وتعرقل مسار الإصلاح.