لم يكن الدافع إلى قراءة نتائج المسح العالمي للقيم في دورته السادسة (2010- 2014) فيما يخص ليبيا، فضولًا أكاديميًا محضًا، بل تنبيهًا فكريًا أثاره مقطع مصور للفيلسوف الراحل الدكتور نجيب الحصادي، رحمه الله، جرى تداوله على وسائل التواصل الاجتماعي، عبّر فيه بقلق عن دلالات هذه النتائج وانعكاسها على صورة المجتمع الليبي في نظر ذاته وفي نظر الآخرين. وقد دفعني هذا التنبيه إلى العودة إلى المسح وقراءته قراءة تأملية، لا بقصد إصدار أحكام، بل محاولة لفهم ما تقوله المؤشرات حين تقرأ داخل سياقها الاجتماعي. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الوصف العلمي والحكم الأخلاقي.
فمنذ البداية، لا بد من التأكيد على أن نتائج المسح لا تصف كل الليبيين، ولا تختزل المجتمع في صورة واحدة، بل هي تعكس نزعات عامة ومتوسطات اجتماعية تتبلور عبر سياق تاريخي وسياسي واقتصادي تشكل على مدى مسار طويل من التحولات. وأي تعامل مع هذه النتائج بوصفها حكمًا أخلاقيًا على الأفراد هو أول إساءة للعلم وللمجتمع في آن واحد.
وفي إطار هذا الفهم المنهجي، يضم المسح العالمي للقيم مؤشرات كمية واسعة، تمتد من قضايا الثقة، والحرية، والهوية، إلى موضوعات أخرى مثل المرأة، والعمل، والدين، والعلاقة بالدولة. غير أن التركيز في هذا المقال انصب على جملة من المؤشرات بعينها، ليس لأنها وحدها المهمة، بل لأنها شكلت جوهر القراءة التي قدمها الراحل الدكتور نجيب الحصادي، ولأنها، في تقديري تمس مباشرة البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية والسياسية في ليبيا.
وتكشف هذه المؤشرات عند قراءتها مجتمعة، عن تراجع الثقة الاجتماعية، وضعف قبول الآخر، وميل واضح إلى تقديم الأمن على الحرية، وحذر عميق من السياسة والتنظيم والاختلاف. ولا تعني هذه المؤشرات بالضرورة عداءً متأصلًا للاختلاف، بقدر ما تكشف أن الخوف أصبح عنصرًا منظمًا للعلاقات الاجتماعية. فالجار المختلف، أو العامل الأجنبي، أو الموظف القادم من خارج الدائرة الضيقة، أو الرأي السياسي غير المألوف، ينظر إليه أحيانًا باعتباره مصدر قلق أكثر منه فرصة للتكامل. وهي ممارسات يومية بسيطة، لكنها تعبر عن مناخ عام لا عن خيارات فردية معزولة.
ولفهم هذا المناخ، يصبح من الضروري التوقف عند معنى القيم نفسها. فالقيمة ليست شعارًا ولا خطابًا أخلاقيًا، بل حكم يصدره الإنسان داخل سياق اجتماعي محدد. ولتبسيط الفكرة، يمكن تصور مثال بسيط: وردة حين يصفها شخص بأنها جميلة، فهو يصدر حكمُا ينسجم مع تجربة إنسانية مشتركة. أما حين يصر آخر على أنها قبيحة، فالأمر لا يتعلق فقط باختلاف الذوق، بل قد يعكس خللًا في شروط الحكم نفسها. هنا لا نكون أمام “قيمة بديلة”، بل أمام انحراف عن القيمة ناتج عن تشوه في العلاقة مع العالم.
ومن هذا المنطلق، لا تكشف نتائج المسح عن أزمة قيم مجردة، بل عن أزمة في الإنسان الذي اختلت شروط تكوين وعيه. فالقدرة على إصدار حكم قيمي متوازن تفترض إنسانًا يشعر بقدر من الأمان، ويعيش في فضاء يسمح بالتساؤل، ويشجع ثقافة النقد بدل معاقبتها. وحين تغيب هذه الشروط، يضيق أفق الحكم، ويتحول الاختلاف إلى تهديد.
ويزداد هذا الفهم وضوحًا عند الانتقال إلى العلاقة بالحرية والسلطة، فالميل إلى تفضيل الأمن، والبحث عن حلول قوية وسريعة، والشك في السياسة والتنظيم الحزبي، لا يعكس بالضرورة نزعة استبدادية فطرية، بل هو نتاج ذاكرة جمعية تشكلت بين تجربة طويلة من القمع، ثم مرحلة من الفوضى والانقسام. وفي مثل هذا السياق، يصبح الاستقرار قيمة عليا، حتى وإن جاء على حساب الحرية.
غير أن السياسة وحدها لا تفسر المشهد بالكامل، فالجذر الأعمق لهذه التحولات يكمن في البنية الاقتصادية والاجتماعية الريعية. فالمجتمع الذي لا يقوم على الإنتاج لا يعجز عن إنتاج السلع فحسب، بل يفشل كذلك في إنتاج الأفكار والتنظيمات والعلاقات الإنسانية السوية. وفي ظل الريع، يتآكل الشعور بالدور ويحل محله الإحساس بالانتظار والاعتماد والعجز.
وتتعقد هذه البنية أكثر حين يدعم النظام السياسي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إعادة إنتاج البناء القبلي والجهوي عبر توزيع المؤسسات والمناصب والموارد وفق أوزان اجتماعية لا وفق معايير الكفاءة والجدارة. في هذا السياق، تتحول القبيلة من إطار اجتماعي طبيعي إلى أداة سياسية، ويعاد تعريف الانتماء بوصفه وسيلة للوصول إلى الريع. ونتيجة لذلك، يظهر نمط من التفكير يقوم على تفوق وهمي بالنسب أو الجهة أو الانتماء تجاه الآخر، وقد يكون هذا الآخر أجنبيًا، أو عربيًا، أو حتى ليبيًا من قبيلة أو جهة أخرى. وهي أنماط تفكير تبدو مفارقة في هذا العصر، لكنها في الواقع نتاج عقلانية دفاعية تشكلت داخل بنية ريعية مختلة.
ولا تنفصل الحالة الليبية عن محيطها الإقليمي؛ إذ تشترك معها مجتمعات ريعية أخرى في بعض هذه السمات، غير أن خصوصيتها تكمن في اجتماع الريع مع هشاشة الدولة وعمق الانقسام، ما يجعل آثار هذه البنية أكثر حدة واستدامة.
ومن هنا، فإن الرابط بين الإنتاج وقبول الآخر لا ينبغي فهمه بوصفه علاقة سببية مباشرة، بل علاقة وسيطها الأساسي هو الشعور بالمكانة والدور. فالمجتمع المنتج، حين يقترن بنظام تعليمي وإعلامي ومؤسساتي سليم، يكون أكثر قدرة على استيعاب الاختلاف. أما حين يغيب الإنتاج وتضعف المؤسسات، يصبح الآخر عبئًا رمزيًا يخشى منه أكثر مما ينظر إليه بوصفه شريكًا في البناء.
وعلى هذا الأساس، فإن المجتمع المدني والمتحضر لا يقاس بكثرة الحديث عن القيم، بل بمدى قدرته العملية على إدارة الاختلاف. فقبول الآخر ليس فضيلة أخلاقية مجردة، بل وظيفة اجتماعية ترتبط ببنية الدولة والاقتصاد والثقافة العامة.
وخلاصة القول إن قراءة المسح العالمي للقيم في الحالة الليبية لا تبرر اتهام المجتمع ولا تبرئه، بل تضع يدها على جوهر الأزمة: القيم لم تختف، لكنها فقدت شروط إنتاجها السليمة. واستعادتها لا تكون بالوعظ ولا بالإنكار، بل عبر مسارات واقعية تبدأ بإصلاح التعليم، وتوسيع الفضاء العام للنقاش والنقد، ودعم المبادرات المحلية المنتجة، وبناء مؤسسات تكافئ الكفاءة لا الانتماء.
وحين يستعاد الإنسان بوصفه فاعلًا وناقدًا ومنتجًا، لا مجرد متلق أو منتظر، تستعيد القيم معناها الاجتماعي، ويغدو قبول الآخر ممارسة يومية طبيعية، والحرية مبدأ وكرامة، والسياسة فعل مشاركة ومحاسبة، لا شعارًا يرفع ولا خطرًا يخشى.