44
عندما ترحل شخصية سياسية كبيرة، ينقسم الناس عادة إلى فريقين، فريق يكتب المراثي والمآثر، وفريق يكتب لوائح الاتهام، وكأننا أمام واجبٍ للاصطفاف، فلا يُسمح لنا بأن نفكر أبعد من الانحياز، أو أن ننظر إلى التجربة بما تحمله من تعقيد وتناقض وغموض، لنقرأها في أكثر من زاوية، لا من خلال صورة واحدة.
وحين قرأت ما كُتب عن الأمير حمد بن خليفة، بدا لي أن معظم المقالات لم تكن تتحدث عنه بقدر ما كانت تتحدث عن أصحابها، فالقطري يراه الرجل الذي ارتبط اسمه بنهضة بلاده وتحولها إلى لاعب إقليمي ودولي مؤثر، وخصوم قطر يرونه أحد أبرز صناع الفوضى التي عاشتها المنطقة خلال العقدين الماضيين ويحمّلونه مسؤوليتها.
لقد وجدت نفسي أفكر في شيء آخر يتجاوز سؤال هل كان الأمير حمد محقا أو مخطئا؟ لأننا في حاجة ماسة إلى سؤال ماذا تعلمنا نحن الليبيين من تلك التجربة؟
أنا لا أكتب اليوم من موقع مالك الحقيقة، ولا من يقف خارج التجربة الليبية، فأنا مثل كثير من الليبيين عشت هذه السنوات بأسئلتها وارتباكها وتقلباتها، ونظرت إلى مواقف الدول أحيانا بعين يغلب عليها الانفعال أكثر من التحليل، لكن مع مرور الوقت بدأت أقتنع بأن المشكلة لم تكن في الإجابات التي وصلنا إليها، بل في الأسئلة التي كنا نقدمها منذ البداية.
لقد انشغلنا طويلا بالسؤال ماذا تريد قطر من ليبيا؟ ولماذا تتدخل دولة خليجية غنية في ليبيا؟ لكنني أعتقد اليوم أن السؤال الأهم هو لماذا أخطأنا نحن في فهم ما تريده الدول من ليبيا؟
في العلاقات الإنسانية، قد تحكمنا مشاعر الوفاء أو الامتنان أو حتى الخصومة، أما في العلاقات الدولية والسياسية، فالأمر مختلف تماما، فالدول لا تبنى بالعواطف، ولا تساس بصداقات دائمة أو عداوات أبدية، بيد أنها تتحرك وفق مصالحها في كل مرحلة.
قد يبدو هذا الكلام سهلا ومنطقيا، لكنه لم يكن حاضرا في وعينا السياسي بالقدر العملي الذي ينقذنا من تجارب التكرار والفشل، فحين دعمت قطر نظام القذافي في مرحلة، ثم دعمت الثورة عليه في مرحلة أخرى رأى كثيرون في ذلك تناقضا بينما أراه اليوم سلوكا يمكن فهمه ضمن منطق السياسة الخارجية، سواء اتفقنا معه أم اختلفنا.
إن هذا المنطق لم يكن حكرا على قطر وجاراتها وحدهم بل قد مارسته دول كبرى وإقليمية عديدة مع ليبيا، وغيّرت سياساتها وتحالفاتها كلما تغيرت في الواقع موازين القوى.
لم تكن قطر استثناء ولم تكن المشكلة في تغير سلوك دول الخليج، لذا أعتقد أن المشكلة كانت فينا حيث تعاملنا مع الدول كما لو أنها جماعات سياسية يمكن أن تؤمن بمشروعنا، أو تتبناه، لقد كنا نبحث عن الحليف أكثر من بحثنا عن المصلحة، وربطنا مستقبلنا بإرادة الخارج أكثر مما ربطناه بقدرتنا على بناء توافق داخلي.
ولهذا كنا نشعر بالخذلان كلما غيرت دولة مواقفها، ونفسر ذلك بالخيانة أو المؤامرة بينما كانت تلك الدولة ببساطة تعيد حساباتها وفق ما تراه مناسبا لمصالحها وتقديرات موقفها السياسي.
ربما كان خطؤنا الأكبر أننا كنا نحاكم الدول بمعايير الأفراد، بينما كانت هي تتعامل معنا بمعايير الدول، ولا أقول ذلك دفاعا عن قطر ولا تبرئة لسياساتها.
من حق أي مواطن ليبي أن ينتقد أي تدخل خارجي يرى أنه أضر ببلاده، كما أن من حق القطري أن يفخر بما يراه إنجازا في تاريخ بلاده، لكن ما لا أراه مقنعا لي اليوم هو أن نظل أسرى لفكرة أن أزمتنا بدأت من الخارج.
نعم الخارج استثمر في الأزمة، لكنه لم يصنع قابلية المجتمع للانقسام، ولم يخلق فراغ الدولة، ولم يمنعنا من إنتاج مشروع وطني جامع.
كلما مرت الأعوام ازدادت قناعتي بأن ليبيا لم تخسر فقط بسبب صراع السلاح أو الانقسام السياسي فقط ، بل خسرت أيضا بسبب طريقة تفكيرها في العالم حيث كنا نسأل دائما من معنا؟ ولم نسأل ماذا نريد وكيف نصل إلى غايتنا؟
لقد كنا ننتظر أن يمنحنا الخارج حلولًا جاهزة، بينما كانت الدول تبحث عن تحقيق مصالحها، ولعل هذا هو الفارق بين الدولة والجماعة، فالجماعة تبحث عمن يحميها، أما منطق الدولة فإنه السعي الدائم عن كيفية إدارة مصالحها وعلاقاتها مع مختلف الأطراف بما يحقق المصلحة الوطنية.
لا أعتقد أن مراجعة تجربة قطر ينبغي أن تنتهي بإدانتها أو تمجيدها، فالإنصاف يقتضي أن نقرأها كتجربة دولة سعت مثل غيرها إلى توسيع نفوذها وتحقيق مصالحها، وأخطأت في مواضع وأصابت في أخرى، شأنها شأن معظم الدول التي تسعى لإثبات وجودها.
إننا أمام واجب مراجعة تفكيرنا في مفهوم الدولة ومفهوم العلاقات الدولية وسياسات دول الإقليم ومصالحها، فالدولة التي تعرف ماذا تريد، تستطيع أن تحفظ سيادتها، وتتعامل مع جميع الدول مهما اختلفت مصالحها ودون أن تفقد بوصلتها في ظل البراغماتية الدولية والإقليمية حولها.
أما الدولة التي تفتقد مشروعها ستظل في كل مرحلة منشغلة بتفسير نوايا الآخرين بدل أن تنشغل بصناعة مستقبلها، وهذا ما تأخر كثيرا وأطال المراحل الانتقالية ووسعت الفجوة، ليبرز الجواب لقد حان وقت بناء ليبيا بسواعد أبنائها جميعا.