الجمعة - 5 يونيو 2026
Home مقالاتفي بلاد يحكمها “الترند”.. حكاية زهير ومسرحية الوطنية

في بلاد يحكمها “الترند”.. حكاية زهير ومسرحية الوطنية

by هبة العماري

في زمنٍ لم تعد فيه الشاشات الصغيرة مجرد وسيلة ترفيه، بل تحوّلت إلى ساحات معارك تُدار فيها الانطباعات، وتُحسم فيها المعارك الرمزية، أصبح “الترند” هو الحاكم الفعلي لمزاج السلطة، لا صوت المواطن ولا حجم المعاناة.

من هنا، تطفو قصة “زهير الليبي” حالة نموذجية، تكشف كيف يمكن أن تتحوّل المعاناة الإنسانية من وجعٍ صامت، إلى مادةٍ قابلة للاستهلاك، ثم إلى فرصةٍ مثالية للتسويق السياسي.

بدأت الحكاية بمقطع فيديو بسيط، صوّره عامل إفريقي، يظهر فيه زهير—رجل أنهكه العمر— يشكو ضيق الحال، وقسوة الحياة، وتأخر الزواج. مشهدٌ إنساني صادق، لا يحتاج إلى إخراج ولا مؤثرات، لأنه ببساطة يلامس الحقيقة.

لكن في زمن “الترند”، لا تبقى الحقيقة وحيدة.

خلال ساعات، انتقل زهير من الهامش إلى الواجهة. تحوّل من مواطنٍ مجهول إلى قصة رائجة، تُعاد مشاركتها آلاف المرات، وتُستثمر عاطفياً على نطاق واسع. وهنا، تبدأ المسرحية.

مسرحية “الوطنية”.

فجأة، استيقظت الجهات الرسمية على وقع الترند. بيانات عاجلة، تحركات سريعة، ووعود سخية. من هنا وهناك، تتزاحم الصور، وتتنافس التصريحات، في سباقٍ محموم لالتقاط اللحظة… لا لمعالجة أصل المشكلة، بل لاقتناص وهجها.

زهير، الذي لم يكن يُرى بالأمس، أصبح اليوم “حالة إعلامية” بامتياز. لم يعد مجرد إنسان يبحث عن حياة كريمة، بل تحوّل —رغماً عنه— إلى مادة تُستخدم لتلميع الصورة، وتسجيل النقاط، في لعبةٍ تُدار أمام الكاميرات.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل كان هذا الحضور المفاجئ بدافع إنساني حقيقي، أم أنه استجابة ذكية لإيقاع الترند؟
الأرجح أن الإجابة ليست معقدة.
ففي ليبيا، لا ينقصنا “زهير” واحد، بل آلاف النسخ الصامتة. رجال ونساء يواجهون ذات الظروف، دون كاميرا، ودون ضجيج، ودون أن يلتفت إليهم أحد. الفرق الوحيد أن زهير حظي بلحظة ظهور… لحظة تحوّلت فيها معاناته إلى محتوى.

وهنا، تكمن المفارقة المؤلمة:
المشكلة لا تُحل عندما تظهر، بل عندما “تنتشر”.
في بلادٍ يحكمها الترند، لا تكون الأولوية للأكثر حاجة، بل للأكثر تداولاً. ولا يُكافأ الصبر، بل تُكافأ القصة التي تنجح في كسر الخوارزمية.
وهكذا، تتحول “الوطنية” من قيمةٍ تُمارس في صمت، إلى عرض موسمي يُقدَّم عند الطلب.. وينتهي بانتهاء التفاعل.

زكريا الطلحي

باحث وصحفي

You may also like