الجمعة - 5 يونيو 2026
Home Featuredقراءة فنية واقتصادية في قرار المؤسسة الوطنية للنفط

قراءة فنية واقتصادية في قرار المؤسسة الوطنية للنفط

قراءة فنية واقتصادية في قرار المؤسسة الوطنية للنفط

by عائشة |

تابعتُ باهتمام إعلان المؤسسة الوطنية للنفط بشأن إيقاف إجراءات الشراء والتوريد وإصدار أوامر الشراء أو أوامر التكليف –أياً كان نوعها أو قيمتها– إلى حين اعتماد الميزانية، إضافة إلى إيقاف كافة صور وأشكال الاعتماد المبكر ومنع ترتيب أي التزامات مالية مستقبلية قبل اعتماد الميزانية، وكذلك الوقف المؤقت لتحويل أو إحالة أي أموال إلى الشركات أو المكاتب في الخارج إلى حين اعتماد الميزانية وتسييل المخصصات وفق الأطر القانونية المنظمة.

في ذات السياق، أكدت المؤسسة استثناء الحالات العاجلة التي لا تحتمل التأخير، والمرتبطة مباشرة باستمرارية الإنتاج ومتطلبات السلامة والبيئة، وهو استثناء يعكس فهماً مهنياً عميقاً لأولويات القطاع وحساسيته.
من الناحية الفنية والاقتصادية، يمكن قراءة هذا القرار باعتباره إجراءً احترازياً منضبطاً يهدف إلى حماية المؤسسة من ترتيب التزامات مالية غير مغطاة، وضمان الامتثال للأطر القانونية والمالية السليمة. فالإدارة الرشيدة للمال العام تقتضي عدم التوسع في الإنفاق أو الالتزام بتعاقدات مستقبلية دون غطاء مالي معتمد.

غير أن المسألة في تقديري تتجاوز البعد الإداري إلى بعدٍ استراتيجي يمس صميم الاقتصاد الوطني. فالمؤسسة الوطنية للنفط تمثل الشريان الاقتصادي للدولة الليبية، حيث تعتمد الميزانية العامة على إيرادات النفط والغاز بنسبة تتجاوز 97–98% من إجمالي الإيراد العام. وأي تعطّل في منظومة الشراء والتوريد أو الصيانة أو الالتزامات التعاقدية، حتى وإن كان مؤقتاً، قد ينعكس سلباً على القدرة التشغيلية والإنتاجية.

قطاع النفط والغاز بطبيعته قطاع كثيف رأس المال، عالي الحساسية للتوقفات، ويعتمد على سلاسل توريد منتظمة، وصيانة دورية، والتزامات تعاقدية دقيقة مع شركاء ومقاولين محليين ودوليين. وأي إرباك مالي ولو غير مقصود قد يؤدي إلى:

1/ تأجيل أعمال صيانة ضرورية.
2/ تباطؤ تنفيذ مشاريع تطويرية.
3/ ارتفاع كلفة التشغيل مستقبلاً نتيجة المعالجات المتأخرة.
4/ اهتزاز الثقة التعاقدية مع الشركاء الدوليين.

عليه، فإن عدم اعتماد ميزانية أو على الأقل ميزانية استثنائية تشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط في هذا الظرف الدقيق، قد يُفاقم الأزمة القائمة بدلاً من احتوائها، خصوصاً في ظل الاحتقان الاقتصادي والمالي الذي يعيشه الوطن والمواطن.

من منظور اقتصادي بحت، تسييل مخصصات المؤسسة لا يُعد إنفاقاً استهلاكياً، بل هو استثمار مباشر في استدامة المورد السيادي للدولة. وكل #دولار يُنفق للحفاظ على الاستقرار الإنتاجي هو حماية لإيرادات مضاعفة تعود للخزانة العامة.

إن دعم المؤسسة الوطنية للنفط في هذه المرحلة لا يعني الانحياز لطرف، بل هو انحياز لمصلحة الدولة الليبية ككل. فالاستقرار المالي والإداري للمؤسسة هو صمام أمان للاقتصاد الوطني، وضمان لاستمرار تدفق الإيرادات التي تقوم عليها رواتب المواطنين والخدمات العامة والالتزامات السيادية.

وفي خضم الأزمة الراهنة.
أرى أن الحل المتوازن يكمن في:

أ/ الإسراع في اعتماد ميزانية واضحة وشفافة للمؤسسة.
ب/ ضمان آلية تسييل منتظمة ومستقرة.
ج/ تعزيز الرقابة والحوكمة دون تعطيل القدرة التشغيلية.
د/ الفصل بين الخلافات السياسية ومتطلبات الأمن الطاقي للدولة.

ختاماً، كخبير في شؤون النفط والاقتصاد، أؤكد أن حماية القدرة الإنتاجية للمؤسسة الوطنية للنفط ليست خياراً إدارياً، بل ضرورة وطنية قصوى. فاستقرار قطاع النفط والغاز هو استقرار للوطن بأكمله، وأي إضعاف له ولو بحسن نية ستكون كلفته مضاعفة على الجميع.

الخبير النفطي منصف الشلوي

You may also like