Home Featuredقراءة في بيان الدول العشر بشأن ليبيا

قراءة في بيان الدول العشر بشأن ليبيا

by هبة العماري

البيان يعكس توافقًا دوليًا–إقليميًا واسعًا حول اتجاه واحد في ليبيا، إذ يجمع بين القوى الغربية الكبرى والدول الإقليمية الفاعلة، وهو ما يشير إلى رغبة واضحة في تقديم مظلة موحّدة تضبط المسار السياسي وتقلل من تشتّت التأثيرات الخارجية المتعارضة. هذه الصيغة ليست معتادة إلا عندما تكون هناك رؤية مشتركة قيد الإعداد، أو عندما تسعى هذه الدول إلى إرسال رسالة قوية مفادها أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تُدار وفق خريطة الطريق الأممية الجديدة، وأن البعثة أصبحت تمتلك شرعية سياسية واسعة لتطبيق ما تم اعتماده في مجلس الأمن.

الترحيب بتمديد ولاية البعثة وخريطة الطريق ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو تثبيت لاعتبار الخطة الأممية إطارًا وحيدًا للعملية السياسية، مع تحميل الأطراف الليبية مسؤولية الالتزام بها باعتبارها الصيغة التي تحظى بقبول دولي واسع. كما أن الإشارة إلى “العملية السياسية بقيادة ليبية” تأتي في سياق لغوي معروف يُستخدم لتوفير غطاء سياسي، بينما تبقى حقيقة التخطيط والتنفيذ بيد البعثة والدول الداعمة لها.

أما التركيز على التنسيق العسكري والاقتصادي بين الشرق والغرب فهو عنصر جوهري في البيان، لأنه يعكس انتقال الاهتمام الدولي من الحل السياسي الصرف إلى فرض مسار قائم على توحيد المؤسسات قبل الدخول في الانتخابات. الدعوة إلى دمج القوات وتوسيع التنسيق العسكري تمثل ضغطًا مباشرًا على القيادات العسكرية في الشرق والغرب لتأسيس هياكل أكثر استقرارًا، وهو مسار يتماشى مع التوجه الأميركي والبريطاني في الملفات الأمنية خلال الأشهر الماضية. وفي الجانب الاقتصادي، فإن الدعوة لحماية المؤسسات السيادية مثل المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي وديوان المحاسبة تهدف إلى منع تسييسها أو السيطرة عليها من أي طرف، وإلى إعادة ضبط القطاع المالي باعتباره المدخل الأساسي لأي عملية استقرار حقيقية.

ويكشف البيان أن الدول الموقعة ترى أن التكامل الاقتصادي والأمني شرطٌ لضمان سيادة ليبيا على المدى الطويل، بمعنى أن العملية السياسية وحدها غير كافية ما لم تُبنَ على أساس مؤسسي صلب. هذه الرسالة تُعد من أخطر ما ورد في البيان، لأنها تعني أن السيادة نفسها باتت مرتبطة – في نظر هذه الدول – بمدى توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية، وأن أي استمرار في الانقسام المؤسسي لن يسمح بولادة دولة مستقرة حتى لو وُجد اتفاق سياسي.

البيان في مجمله يعكس إجماعًا نادرًا: القوى الدولية والإقليمية تظهر وكأنها تتفق على مسار واحد لليبيا بعد سنوات من التباينات. هذا الإجماع يمنح البعثة الأممية تفويضًا عمليًا أوسع، ويهيئ الأرض لخطوات قد تشمل ترتيبات اقتصادية وأمنية جديدة ودعمًا أكبر لخطوات توحيد المؤسسات السيادية. ورغم أن هذا التوافق قد يسهم في توفير نوع من الاستقرار، فإنه في المقابل يعزز اعتماد المسار السياسي على الإرادة الدولية بدل الإرادة الوطنية، ويرفع من مستوى تدخل البعثة في ملفات تتجاوز طبيعتها التقليدية.

وبالنظر إلى مضمون البيان، يمكن القول إنه ليس بيانًا بروتوكوليًا أو دعائيًا، بل يحمل إشارات سياسية واضحة تؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون محكومة بخارطة الطريق الأممية وبترتيبات مؤسسية تسعى هذه الدول إلى تثبيتها قبل أي عملية انتخابية. بمعنى أن الاستقرار المطلوب هو استقرار مفروض هيكليًا قبل أن يكون نتاجًا لتوافق سياسي داخلي.

You may also like