أثارت الزيارة التي أجراها قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، إلى مدينة بنغازي، ولقاءه قائد “القيادة العامة” خليفة حفتر ونائبه صدام حفتر، وتوقيع اتفاقية تعاون عسكري مشترك، جملة من التساؤلات حول طبيعة هذه الخطوة وتوقيتها، وما تحمله من رسائل تتجاوز الإطار الثنائي إلى فضاء إقليمي أكثر تعقيدا.
الزيارة، التي جاءت بعد نحو 5 أشهر من زيارة صدام حفتر إلى إسلام آباد في يوليو الماضي، تبدو امتدادا لمسار متدرج من التنسيق العسكري بين الجانبين، بدأ ببروتوكول تعاون شمل مجالات التدريب والتأهيل العسكري، وتبادل الخبرات، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، وصولا اليوم إلى اتفاقية تعاون موقعة على الأرض الليبية، بما يعكس انتقال العلاقة من مستوى التفاهمات الفنية إلى شراكة أوضح المعالم.
خاص فواصل
وبحسب مصدر خاص لفواصل، فإن حكومة الوحدة الوطنية أبدت انزعاجها من الزيارة، وطالبت السلطات الباكستانية عبر سفارتها بتوضيح دلالات وأهداف لقاء قائد الجيش الباكستاني بخليفة حفتر ونائبه، وتوقيع اتفاقية تعاون عسكري في بنغازي.
توقيت حساس
كما أن الزيارة تكتسب أهميتها من توقيتها في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعقد الصراع في المنطقة ومنها الملف السوداني، وإعادة رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويعزز هذا التوقيت من الطابع السياسي للزيارة، ويدفع باتجاه قراءتها ضمن مشهد أوسع من إعادة التموضع الإقليمي، لا سيما في ظل التحركات المتسارعة لبعض القوى الإقليمية لإعادة ضبط موازين النفوذ.
دوافع الزيارة
ووفق معلومات حصلت عليها فواصل فإن زيارة الوفد الباكستاني إلى بنغازي جاءت بإيعاز سعودي ضمن مساعيها لإحتواء خليفة حفتر والانضمام إلى المعسكر السعودي المصري والخروج من المعسكر الإماراتي والتدخل في الوضع السوداني، لا سيما في ظل تباينات وخلافات غير معلنة على نحو واضح بين الرياض وأبوظبي بشأن مقاربات عدد من الملفات الإقليمية يأتي في مقدمتها الوضع في السودان.
وفي هذا السياق، كشف مصدر من “القيادة العامة” لفواصل، أن عاصم منير أكد خلال لقاءاته في بنغازي أن الصراع في السودان معقد وغير مضمون المآلات، مشيرًا إلى وجود انزعاج سعودي من بعض أوجه الدعم القائم هناك، قد يترجم إلى مواقف أكثر وضوحًا خلال الفترة المقبلة.
الحسابات الإقليمية
هذا المعطى يضع التعاون العسكري بين باكستان و”القيادة العامة” ضمن سياق أوسع من الحسابات الإقليمية، حيث لا يمكن فصل الزيارة عن التحركات السعودية–الباكستانية الأخيرة، ولا عن مساعي بعض الأطراف لإعادة ضبط أدوارها في ملفات إقليمية ملتهبة.
كما تأتي الزيارة، بعد توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وباكستان في الرياض في 17 سبتمبر الماضي، وهي اتفاقية وصفت حينها بأنها نقطة تحول في معادلات الأمن الإقليمي ولا يمكن قراءتها فقط في إطار التعاون الثنائي، بل ضمن مشهد أوسع من إعادة التموضع الاستراتيجي والتحالفات المتغيرة.
البعد الأمريكي
ويبرز في هذا السياق البعد الأميركي، إذ يتمتع قائد الجيش الباكستاني بعلاقات قوية مع الإدارة الأميركية، إذ تشير تقارير وكالة رويترز إلى أن عاصم منير يعتزم زيارة الولايات المتحدة خلال الأسابيع المقبلة، لعقد ثالث اجتماع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال 6 أشهر، ما يمنح تحركاته الخارجية وزنا سياسيا مضاعفا.
خلاصة المشهد
في هذا الإطار، يبدو أن “القيادة العامة” تسعى من خلال توسيع شبكة تعاونها العسكري إلى تعزيز موقعها ضمن معادلة الأمن الإقليمي وتنويع شراكاتها بعيدا عن الأطر التقليدية، مستفيدة من ثقل باكستان العسكري، وعلاقاتها المتشعبة إقليميا ودوليا.
زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى بنغازي لا يمكن اختزالها في بروتوكول تعاون عسكري بقدر ما تمثل حلقة ضمن سلسلة تحركات تعكس تقاطع المصالح العسكرية مع الحسابات السياسية في لحظة إقليمية دقيقة تتسم بإعادة رسم خطوط النفوذ، واختبار توازنات جديدة في المنطقة.