من زمن، والناس تشاهد مسرحًا كبيرًا، يلبس كل طرف -شرقًا وغربًا- بدلة الإعمار والمشاريع، والإبهار البصري عنوان المرحلة. وخلف الكواليس، اللعبة نفسها نهب مستمر، والممثلون أنفسهم يغيرون الأقنعة ويتبادلون الأدوار في عرض طويل لاستنزاف الدولة وإهدار المال العام.
ولو رجعنا إلى الماضي لوجدنا أن السيطرة كانت تُبنى على نظام استبداد أمني واقتصادي واجتماعي، وأما اليوم غاب نظام الاستبداد ووصل اللاعبون إلى الأموال لتكون وسيلة سيطرة ناعمة الملمس: تشتري الولاءات وتغطي الفشل بصور الإنجاز. لكن هذا الواقع لا يعني اختفاء العسكرة في الشرق والغرب، فالشراء العسكري ينمو — أسلحة تُشترى، عقود تُمنح لبناء معسكرات ومدن عسكرية، وتمويل يُوجَّه لقوى مسلحة من الطرفين. النتيجة أن المال والسلاح يعملان معًا: الأول يشتري المشهد واللذة الإعلامية، والثاني يُبقي الباب مفتوحًا لمن لا تطوله الشيكات.
اكتشفت السلطات المتنازعة في ليبيا أن الانقسام السياسي والفوضى مكسبٌ لا عبءٌ. كل طرف يملك قطعة من الدولة، يزيّن منطقته بالمشاريع والمهرجانات، لا حبًّا في التنمية، بل طمعًا في المال أو خوفًا من فقدان النفوذ، والمواطن صار متفرجًا يصفّق لفريقه المفضّل، لا لأنه مقتنع، بل لأنه يكره الفريق الآخر أكثر مما يكره الفقر الذي يعيشه. بهذه اللعبة انطمس الوعي، وانقسمت العقول مثل الخريطة.
تُصرف أموال الدولة تحت لافتات “الإعمار أو المشاريع ” كما تُوزّع الهدايا في الأعراس. موكب هنا، مهرجان هناك، عقود بملايين لا أحد يعرف من أين تُموّل ولا من يراقب ويحاسب، ويشتكي المصرف المركزي من العجز، بينما المدن الكبرى تمتلئ بسيارات الدفع الرباعي، والمقرات الفخمة تُشيّد كأننا في طفرة نفطية ثانية.
والحقيقة ليست طفرة، بل “فاشية مال” خالصة: نفوذ يقوم على تفكيك المؤسسات لتسهيل النهب بالتدخل في النفط والمصارف والاستثمارات الخارجية، وخلق اقتصاد استعراضي قاعدته الصور والفيديوهات الدعائية. ثم يأتي دور الإعلام والفن -أدوات التجميل الرسمية- لتخدير الناس وتحويل الفساد إلى إنجاز.
في فاشية المال، كل شيء قابل للبيع: القرارات، الولاءات، حتى الأغاني الوطنية. وجيوش إلكترونية تغني “نحن نبني وغيرنا يهدم”، بينما البلاد تتآكل من الداخل. وحين تُساق الجماهير للتصفيق لمن ينهبها، تتحوّل المأساة إلى كرنفال.
النتيجة واضحة تضخّم يلتهم مدخرات الناس، وانهيار في سعر الدينار، وطبقة مترفة تُبذر الأموال بلا حدود، تقابلها طبقة مسحوقة تلهث وراء أبسط احتياجاتها، والتعليم والصحة في تراجع، والقطاع الخاص يختنق، بينما “الرفاهية” تُعرض على الشاشات كديكور سياسي.
إن هذه التنمية الموهومة ليست تنمية، بل سباق على السلطة والسيطرة عبر المال، لا على بناء الدولة، والفرق بين استبداد السلطة القديمة وفاشية المال الحالية أن الأولى كانت تخاف من الكلمة، أما الثانية اشترتها وحوّلتها إلى إعلان ترويجي. وفي النهاية، يبقى السؤال معلّقا: هل نحن فعلاً في زمن التنمية أم زمن فاشية المال التي تُجمّل الخراب بسفه الإنفاق وتُسكت العقول عن مليارات دفعت وتدفع بلا حساب؟.