بعد أسابيع قليلة فقط من تقرير خبراء الأمم المتحدة الذي أشار إلى ضلوع شبكات مرتبطة بجهات مسلحة في تجارة المخدرات، جاء الإعلان من إسبانيا عن ضبط سفينة محمّلة بنحو 40 طنا من الكوكايين، كانت في طريقها إلى ميناء بنغازي، بقيمة تُقدّر بـ 2 مليار يورو. رقم يصعب التعامل معه على أنه حادثة منفصلة، أو شحنة ضلّت طريقها صدفة.
لا يتوقف السؤال عند الشحنة نفسها، بل يمتد إلى ما يتطلبه مرورها، شبكة لوجستية عابرة للحدود، تمويل ضخم، وتنسيق لا يبدو عشوائيا، فهل ما يحدث مجرد تكرار عابر لوقائع أمنية، أم أننا أمام مسار يتشكل بهدوء في الخلفية؟
من يملك القدرة على تحريك شحنة بهذا الحجم عبر مسارات دولية معقدة؟ ومن يضمن وصولها إلى وجهتها؟ وهل يمكن لمثل هذه العمليات أن تتم دون بيئة تسمح، أو على الأقل تغض الطرف؟
المثير أن هذه الواقعة لا تقف وحدها، بل تأتي ضمن سلسلة تتكرر بتفاصيل مختلفة ووجهة متشابهة، ففي مارس 2024، كُشف عن شحنة كوكايين خام مخبأة داخل حاويات “موز” قادمة من الإكوادور إلى بنغازي.
وفي نهاية 2023 أُعلن عن ضبط نحو 20 مليون قرص من الترامادول داخل ميناء بنغازي، بينما شهد يوليو 2025 ضبط 5 أطنان من الحشيش شرق البلاد. أما في 2018، فقد أوقفت السلطات اليونانية سفينة متجهة إلى بنغازي محمّلة بمخدرات قُدرت قيمتها بأكثر من 100 مليون دولار، في قضية ربطتها تقارير دولية بشبكات تهريب عابرة للحدود، فاختلاف التواريخ لا يُخفي التشابه في المسار.
هل ليبيا سوق استهلاك، أم مجرد محطة عبور في طريق أطول؟ ولماذا تتكرر هذه الوجهة تحديدا؟ هل الأمر مرتبط بالموقع الجغرافي، أم بفراغات في الرقابة، أم بتقاطع مصالح بين شبكات داخلية وخارجية؟ وما الذي يجعل هذه التجارة قادرة على إعادة إنتاج نفسها رغم الضبطيات والإعلانات المتكررة؟
الأخطر من كل ذلك ليس فقط حجم الشحنات، بل أثرها المتراكم داخل مجتمع يعاني أصلا من هشاشة اقتصادية وانقسام مؤسساتي. فحين تتدفق هذه المواد بهذا النسق، يصبح الشباب في مرمى دائرة أوسع من مجرد الاستهلاك، دائرة تمتد من الإغراء إلى الاستغلال، ومن السوق إلى الشبكات.
فهل ما نشهده فوضى بلا مركز، أم نشاط منظم يجد في الفوضى بيئة مثالية؟ ومن المستفيد الحقيقي من بقاء هذه الدائرة مفتوحة؟ الإجابة قد لا تكون مباشرة، لكن المؤكد أن تكرار المسار لا يبدو عشوائيا.