نشرت بعثة الأمم المتحدة خيارات مرتبة كما لو كانت طريقًا مُعبّدة نحو الانتخابات؛ إذ اختار أكثر من 40% من المشاركين في استطلاع أجرته البعثة على مدى شهرين، أن تبدأ ليبيا بالانتخابات الرئاسية والتشريعية قبل الدستور، بينما فضّل آخرون مسارات الحوار السياسي، في حين تمسّك بعضهم بفكرة “الدستور أولًا”. وخلف هذه الأرقام علت أولوية واحدة: الخوف من إطالة المرحلة الانتقالية.
من المجيب؟
وهنا يطل سؤال مهم: من الذين أجابوا على أسئلة الاستطلاع؟ هل هم ليبيون من مختلف المدن والشرائح، أم نخبة محدودة من المتابعين والمهتمين بالشأن العام؟ لا أحد يجيب، فالأرقام تلمع بلا بطاقة تعريف.
أولويات
وسط الإجابات، علت أصوات تتحدث عن ضرورة جداول زمنية صارمة، وعن عقوبات فردية تلاحق من يعرقل المسار، فيما طالب آخرون بأن يتعهد المرشحون بقبول النتائج قبل إعلانها. حتى فكرة إنشاء آلية وطنية للإشراف طُرحت، لكن بفتور.
الحكومة أولًا
وحين سُئل المشاركون عن “ما يجب فعله قبل الانتخابات”، كانت الإجابة الأولى: حكومة موحّدة، ثم إعادة تشكيل مجلس المفوضية، يليها تعديل القوانين الانتخابية. وظل التوحيد السياسي شرطًا يطغى على أي استعجال.
قضايا مهمة
لم تتصدر الأسعار ولا الخدمات لائحة الإجابة عن باقي أسئلة الاستطلاع، إذ تناولت القضايا الأشد إلحاحًا بحسب النتائج. فكان الانقسام السياسي وتشرذم مؤسسات الدولة وغياب سيادة القانون والمساءلة، ما يؤرق المشاركين أكثر من فواتير السلع. تلتها المخاوف الأمنية، بينما جاءت الشكاوى الاقتصادية ونقص الخدمات في مراتب أدنى.
مفارقة غريبة
بعد هذه النتائج، تبرز مفارقة: فنحن أمام أرقام توحي باليقين، لكننا لا نعرف حجم العينة، ولا توزيعها، ولا حتى هامش الخطأ. وما عُرض أشبه بومضة تعكس مزاج البعثة الأممية أكثر مما تمثل صوت الشارع الليبي.
خارطة أنيقة
القصة إذن ليست في النتائج وحدها، بل في ما تخفيه من أسئلة معلّقة. فالأرقام قد تبدو جميلة على الورق، لكنها بلا هوية واضحة. وفي بلد يبحث عن مخرج من أزماته، لا يكفي أن نرسم خارطة طريق أنيقة، إن لم نعرف على أي أرضية تقف هذه الخارطة، ومن يرسم ملامحها حقًا.
