في محاولة لتتبع مسارات التمويل المرتبطة بالنزاع في ليبيا زعمت منظمة “ذا سنتري” الأمريكية أنها تمكنت من كشف شبكة مالية، قالت إنها لعبت دوراً في دعم العمليات العسكرية في ليبيا. وفي تقريرها، وجهت المنظمة اتهامات إلى رجل الأعمال الليبي أحمد إبراهيم جاد الله، المعروف باسم “أحمد العشيبي”، مشيرة إلى أنه قام بتحويل ما يصل إلى 300 مليون دولار قالت إنها خرجت من أموال عامة ليبية واستخدمت في تمويل الحرب.
وتثير هذه المزاعم تساؤلات واسعة حول آليات انتقال الأموال، ودور رجال الأعمال والشبكات المالية غير الرسمية في تغذية الصراعات الإقليمية، فضلاً عن مدى صحة الأدلة التي استند إليها التقرير والجهات المستفيدة من تلك التحويلات. ويسعى هذا التحقيق إلى فحص هذه الادعاءات، وتتبع الوقائع والوثائق المتاحة، والوقوف على حقيقة الاتهامات وما إذا كانت تستند إلى أدلة قابلة للتحقق. ويبرز السؤال الأكبر إلى أي مدى تستند هذه الاتهامات إلى أدلة موثقة؟
لم يتوقف تقرير المنظمة الأمريكية الصادر في أبريل 2026 عند ملف التمويل؛ بل فجّر سيلًا من الاتهامات الثقيلة، شملت غسيل الأموال، والاحتيال عبر الاعتمادات المستندية، وضخ النقد المزيف، وصولاً إلى انتهاك حظر الأسلحة الأممي بالتزامن مع تقرير خبراء الأمم المتحدة.
في هذا التحقيق الاستقصائي، ستغوص “فواصل” عميقاً في تفاصيل الملف، وتضع تقرير “ذا سنتري” في ميزان التدقيق المهني، مستندة إلى وثائق ومستندات رسمية ودولية حصريّة، لتفكيك هذه الاتهامات ومعرفة الحقيقة الكاملة.
أحمد جاد الله في قلب العاصفة.. استهداف أم استدلال

في أبريل 2026 أصدرت منظمة “ذا سنتري” الأمريكية تقريرا يحمل عنوان “رجل المال الأول في الشرق الليبي.. تسليط الضوء على أحمد جاد الله”، وصفته بأنه كشف لـ”الآلية المالية ” التي مولت هجوم حفتر على طرابلس، فضلا عن مزاعم أخرى تشمل الفساد المالي والاحتيال عبر الاعتمادات المستندية والسيطرة على مصارف ومؤسسات مالية، وضخ نقد ليبي مزيف وتداوله، بجانب انتهاك حظر الأمم المتحدة وتهريب أسلحة لأطراف النزاع في ليبيا.
وجاء التقرير في وقت يستدعي التساؤل، مع تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة الصادر في مارس 2026 يحمل في طياته بعض الاتهامات لرجل الأعمال ذاته، ولكنه ركز على الدعم اللوجيستي لأطراف الصراع في المشهد الليبي.
الاتهامات الواردة في التقريرين بحق العشيبي، كان لابد من تدقيق مهني فيها بهدف كشف حقيقتها، خاصة بعد أن تحصلت “فواصل” على مستندات ووثائق رسمية ودولية مكنتها من تفكيك رواية تقرير “ذا سنتري”.
300 مليون دولار لتمويل الهجوم على طرابلس
جاء الاتهام الأبرز في التقرير بحصول 3 شركات مقرها في دبي – يقول التقرير إنها مرتبطة بجاد الله- على قروض بمبلغ 300 مليون دولار من المصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية ومقره أبو ظبي، وأن هذه القروض كانت مدعومة بوديعة ضمان من المصرف الليبي الخارجي، ما جعل المخاطر النهائية تقع على المال العام الليبي.
وحدد التقرير الشركات الثلاث المستفيدة من القرض وهي:
شركة “جي تي إيه للتجارة العامة” (JTA General Trading LLC)،
شركة “واحة المورد للتجارة العامة” (al-Mored Oasis General Trading LLC)،
شركة “إيه إم إيه إيه للتجارة العامة” (AMAA General Trading LLC).
استند التقرير في روايته إلى من وصفه بالمسؤول الرفيع في المصرف الليبي الخارجي (LFB) وعدة مصادر أخرى لم يذكرها، والتي ادعت أن هذه الأموال، التي غادرت الشركات الثلاث بشكل فوري تقريبا، استخدمت في تمويل عمليات قوات “القيادة العامة” في هجومها على طرابلس.
تمويل مرتزقة فاغنر وتهريب أسلحة لقوات حفتر
يذكر التقرير أن جزءاً من أموال القروض ذهب “على الأرجح” لتمويل مدفوعات مجموعة فاغنر الروسية التي كانت تقاتل على خطوط الجبهة بين سبتمبر 2019 ومايو 2020. ويستخدم التقرير في وصفه صياغات تحوطية متكررة كـ”مرجّح” و”يُشتبه”.
وفي اتهام متقارب يشترك تقرير ذا سنتري وتقرير خبراء الأمم المتحدة في اتهام جاد الله بخرق حظر الأمم المتحد والمساعدة في عمليات تهريب أسلحة لأحد أطراف الصراع في ليبيا، تشمل محاولة استيراد طائرات مسيّرة صينية مموّهة كتوربينات رياح اعترضتها إيطاليا عام 2024، وصفقة طائرات إسبانية حقق فيها القضاء الإسباني عام 2023، وشحنة مدرعات اعترضتها البحرية اليونانية في يوليو 2025.
السيطرة على مصارف شرق ليبيا وغسيل الأموال
تذكر ذا سنتري أن جاد الله يُمسك بزمام مصرف التجارة والتنمية والمصرف التجاري الوطني ومصرف الوحدة، ويوظّفها في تمرير احتيال واسع عبر الاعتمادات المستندية وغسل الأرباح غير المشروعة.
ترويج الدنانير الروسية المزورة
يحمل التقرير أحمد جاد الله توزيع دنانير ليبية مطبوعة في روسيا عبر مصرف التجارة والتنمية، مما أفضى إلى ضخ ما يزيد على 10 مليارات دينار غير مصرّح بها في التداول بحلول أكتوبر 2025.
تهريب الوقود الليبي
يربط تقرير خبراء الأمم المتحدة جاد الله بشبكة شحن بحري تستخدم سفناً بأسماء محددة لتصدير المنتجات النفطية الليبية بصورة غير مشروعة عبر الإمارات.
نظر في طريقة الاستدلال و فحص للمصادر
الجدير بالذكر أن مصادر تقرير “ذا سنتري” لا يمكن التحقق منها، وسؤال يطرحه المحققون عادة: هل مصدران مستقلان توصلا إلى الاستنتاجات ذاتها؟ أم أن غرفة معلومات واحدة كانت مصدرا لمزاعم الاثنين معا؟
ما يزيد المشهد تعقيدا أن التقرير لا يقدم أدلة مادية مباشرة على معظم هذه الاتهامات، بل يبني روايته على شبكة من الاستدلالات: تزامن الأحداث، والمصادر المجهولة، وقرائن الثروة الكبيرة.
وفي بحثنا الاستقصائي تمكنا من الوصول إلى وثائق رسمية من مؤسسات الدولة الليبية، فضلا عن تقارير دولية لمؤسسات محايدة – إحداها كانت عماد اتهام رئيسي في التقريرين- تُسقط العمود الفقري المالي لرواية ذا سنتري.
وقبل طرح المستندات التي حصلت عليها فواصل وتعليق جاد الله على الاتهامات الموجهة إليه، تشير “فواصل” إلى أنها تواصلت مع منظمة ذا سنتري عبر البريد الإلكتروني في الخامس عشر من مايو 2026، وطلبت منهم إيضاحات وردودا على المستندات والمعلومات التي حصلنا عليها، جاء رد ذا سنتري في الرابع والعشرين من الشهر نفسه ونصه: ( استلمت سنتري رسالتكم المؤرخة 15 مايو والتي تطلبون فيها تعليقًا بخصوص تقريرنا بعنوان “أبرز رجل مال في شرق ليبيا: تسليط الضوء على أحمد جاد الله”. سنتري واثقة من دقة تقاريرنا ونؤكد صحة نتائجنا).
ردت فواصل على مراسلة سنتري بأنها تواصلت مع الجهات الرسمية التي وردت الإشارة إليها في تقرير سنتري، بما في ذلك مكتب النائب العام والمصرف الليبي الخارجي، كما أن فواصل تحصلت على مستندات ومراسلات رسمية ذات صلة بالموضوع ترد رواية سنتري، الأمر الذي تطلب توضيحات إضافية عبر إيميل أرسلته فواصل إلى المنظمة في الثاني من يونيو 2026. ووجه فريق فواصل أسئلة بشأن المصادر والنتائج التي توصلت إليها سنتري، و هل كانت بشكل مباشر مع الجهات الليبية الرسمية المذكورة في التقرير، أم تم الحصول على المعلومات أو التحقق منها عبر متعاونين أو مصادر وسيطة؟ كما طلبت ردا على بعض المستندات التي دفعت الاتهام عن العشيبي.
إنكار قاطع وفريق قانوني مزود بالمستندات
تواصلت فواصل مع الفريق القانوني لرجل الأعمال الليبي، بشأن الاتهامات الواردة في تقريري ذا سنتري وخبراء الأمم المتحدة، وأكد جاد الله في رده أنه يرفض جميع الاتهامات الواردة في تقريري “ذا سنتري” وخبراء الأمم المتحدة رفضا قاطعا، مؤكدا أن أعماله تسير وفق الأطر القانونية والشفافية المطلوبة. ويعكف محاموه حاليا على الطعن القانوني في هذه الادعاءات.
وزود الفريق القانوني لجاد الله فواصل بحزمة من المستندات إضافة إلى ما حصلت عليه فواصل، ساهمت في المراجعة الموضوعية لما ورد في التقرير.
بين تقرير ذا سنتري والمستندات الرسمية، صورة أكثر تعقيداً لملف الاتهامات
تفند الوثائق الرسمية اتهامات بعينها، فيما يلي عرض لأبرز ما جاء فيها:
كان الاتهام الأبرز في التقرير حصول الشركات الثلاث المنسوبة لجاد الله على قروض 300 مليون دولار مدعومة بوديعة ضمان من المصرف الليبي الخارجي، العماد الأساسي لادعاءات أخرى خطيرة في التقرير مثل دعم هجوم طرابلس وتمويل قوات فاغنر، لذا فقد ركزت الوثائق على نفي هذا الأمر.
الوثيقة القانونية الأهم التي حصلت عليها فواصل، صادرة من مكتب النائب العام الليبي بتاريخ 15 أبريل 2026 ورقم إشاري “6- 6 – 7947” تحمل نفيا صريحا لورود اسم أحمد جاد الله أو اسم شركة “واحة المورد” أو أي من الشركات المرتبطة بها “JTA” و”AMAA” ضمن بيانات وثيقة الضمان المحورية في قضية الـ300 مليون دولار.

كما أفادت وحدة التحقيق بعدم ثبوت حصول جاد الله أو إحدى شركاته على أي تمويل أو قرض من المصرف العربي للاستثمار والتجارة الخارجية في أبو ظبي، ولا على أي ضمان صادر عن المصرف الليبي الخارجي.
وبدوره نفى المصرف الليبي الخارجي في وثيقة رسمية -حصلت فواصل على نسخة منها- وجود أي التزامات أو حسابات لدى المصرف الليبي الخارجي تخص الشركات المذكورة واحة المورد، JTA، وAMAA.

وترجع أهمية الوثيقة الموقعة من عز الدين بن عامر مساعد المدير العام للعمليات في المصرف الليبي الخارجي، إلى أنها تقطع الحلقة المالية التي بني عليها التقرير، باعتبار أن المصرف الليبي الخارجي هو الجهة التي يدّعي التقرير تقديمه وديعة الضمان البالغة 300 مليون دولار للشركات الثلاث.
وفي السياق ذاته، أكدت وثيقة المصرف الليبي الخارجي المؤرخة في 13 أبريل 2026 بأن شركة “واحة المورد” ليس عليها أي التزامات تجاه المصرف حتى تاريخ إصدار الوثيقة.
ومن زاوية أخرى غاب عن ذا سنتري أن مصرف ليبيا المركزي هو من يوافق علي فتح الاعتمادات ويقوم بدفعها، وليست المصارف التجارية استنادا لآليات وضوابط فتح الاعتمادات المستندية للشركات.
اختبار آخر لروايات الاتهام … ماذا كشفت ديلويت عن الملف؟
وبجانب الوثائق الرسمية، يبرز دليل صادر عن مؤسسة ديلويت Deloitte، إحدى أكبر شركات الخدمات المهنية والتدقيق والاستشارات عالميًا، وهو تقرير فني متخصص صادر في 15 أغسطس 2025 ضمن عملية فحص نافي للجهالة المالية (Financial Due Diligence)، بهدف تقييم المركز المالي والمخاطر وجودة الأصول والالتزامات، المتعلقة بالمصرف الليبي الخارجي.
شمل التقرير– الذي اطلعت فواصل على نسخة منه- مراجعة ملفات كبار المقترضين، وأشار صراحة إلى كيانين ليبيين مرتبطين تحت اسم Confidence Security Consultancy & Business Field General Trading L.L.C”” مُنحا عدة قروض خلال عام 2019، مغطاة بالكامل في الأصل بودائع سوق نقد من المصرف الليبي الخارجي إضافة إلى ضمان مؤسسي بقيمة 300 مليون دولار، وهو الظهور الوحيد لهذا الرقم المطابق لمزاعم ذا سنتري، بينما بلغ التعرض القائم للحسابين محل المراجعة أكثر من مليار درهم إماراتي بحلول مارس 2025.

وأشار التقرير إلى أن القروض كان يفترض سدادها دفعة واحدة عام 2020 لكن ذلك لم يحدث وتم إعادة جدولتها أكثر من 10 مرات، ومنذ العام المالي 2023 كانت هناك مقترحات لنقل الالتزامات إلى جهة جديدة هي وزارة التخطيط والمالية الليبية تحت قرض تجاري جديد يقارب مليار درهم إماراتي يسدد على 10 سنوات، لكن التنفيذ كان بطيئا بسبب الموافقات الحكومية.
ورغم أن التقرير يشير هنا إلى وجود قرض فعلي قد يتجاوز 300 مليون دولار لكن الأسماء المرتبطة بها تختلف عما يدعيه التقرير الأمريكي، حيث لا يذكر جاد الله ولا أي من شركاته الثلاث وهو ما يضع علامة استفهام جديدة أمام رواية ذا سنتري.
لم يتسن لـفواصل حتى لحظة النشر التحقق من هوية الكيانين الليبيين المذكورين في تقرير ديلويت باسم “Confidence Security Consultancy & Business Field General Trading”، ولا من مصير القروض المرتبطة بهما والبالغة أكثر من مليار درهم إماراتي. وهو ملف مفتوح يستحق تحقيقا مستقلا”، في ظل غياب المعلومات الرسمية
السيطرة المصرفية نفي مزدوج
شملت المزاعم الأخرى في تقرير ذا سنتري اتهام جاد الله ببسط سيطرته على مصرف التجارة والتنمية ومؤسسات مالية أخرى في شرق ليبيا، وتكررت نفس الادعاءات في تقرير خبراء الأمم المتحدة، وهي المزاعم التي بني عليها اتهامات الاحتيال المالي عبر الاعتمادات المستندية، وغسل الأرباح غير المشروعة، وترويج دنانير مزورة أدت إلى إضعاف العملة الليبية.
لكن المستندات التي حصل عليها فريق الدفاع عن رجل الأعمال الليبي ترد رواية المنظمة الأمريكية.
وكان أهمها شهادة موثقة من سوق المال الليبي تشير إلى أن أحمد جاد الله العشيبي يمتلك 2.5% فقط من مصرف الوحدة، و2.89% من مصرف التجارة والتنمية، وهي نسب لا تُمنحه أي سلطة إدارية أو تشغيلية.

وفي سياق متصل يذكر المصرف التجاري أن جاد الله لا يمتلك أي أسهم في المصرف التجاري الوطني. ويقدم تقرير ديلويت تأكيدا إضافيا، في مراجعته لملفات الائتمان، بأن “المساهم صاحب الحصة الأكبر في المقترض هو مصرف ليبيا المركزي.”

وفي إطار الاتهامات المالية، ادعت ذا سنتري بأن شركات رجل الأعمال الليبي ظهرت على “قائمة سوداء” أصدرها مصرف ليبيا المركزي بسبب الاشتباه في ارتكابها عمليات احتيال.
لكن مصرف ليبيا المركزي أصدر وثيقتين منفصلتين: الأولى من وحدة المعلومات المالية في طرابلس (وحدة غسيل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب) تفيد بـ”عدم وجود أي تحفظات” على جاد الله في قواعد بياناتها المتعلقة بالعمليات المشبوهة وغسيل الأموال.

الثانية من إدارة الرقابة على المصارف والنقد تؤكد انعدام أي تعميم صادر ضد شركات مجموعة العشيبي القابضة.

هذا النفي المزدوج يُسقط ادعاء التقرير بشأن القائمة السوداء وعمليات الاحتيال المزعومة المرتبطة بها.
تصحيح Lloyd’s
واحد من أخطر الاتهامات التي وجهت إلى احمد جاد الله في تقريري ذا سنتري وخبراء الأمم المتحدة كانت المشاركة في عمليات تهريب بحري شملت تهريب سلاح ونفط.
استند الادعاء إلى ملكية مجموعة العشيبي القابضة المزعومة لشركة يو دي إس للخدمات الملاحيةUDS Shipping Services LLC المشغلة للسفن المتهمة بعمليات تهريب السلاح والنفط.
وكان مرجع إدعاء الملكية الأساسي هو قاعدة بيانات “Lloyd’s Seasearcher” وهي مرجع دولي معتمد للاستخبارات البحرية يغطي تتبع السفن وفحص الملكية، كما ورد في نص التقرير.
وبحسب الرد الذي حصلت عليه فواصل من جاد الله، فقد أصدرت Lloyd’s List Intelligence تصحيحا أزالت بموجبه من قاعدة بياناتها الرابط الذي كان يربط “مجموعة العشيبي القابضة” بشركة “UDS Shipping Services LLC”، أي أن المصدر الذي بنى عليه التقرير اتهامه، عاد وأزال الأساس الذي بني عليه هذا الاتهام.

وبدوره حصل الفريق القانوني على وثيقة أخرى تنفي علاقة الشركة المذكورة بالعشيبي، حيث أظهرت رخصة تجارية صادرة من دائرة الاقتصاد والسياحة التابعة لحكومة دبي أن شركة UDS shipping services LLC وهي شركة ذات مسئولية محدودة – الشخص الواحد (ذ م) وتحمل رقم الرخصة الأم 1208273 وتاريخ إصدارها 13/07/2023، هي ملك المواطن الإماراتي سلطان أحمد عبد القادر الشنقيطي وهو نفسه مالك الحصص كاملة والمدير التنفيذي لها.

التقارير الدولية تحت المجهر
وفي ظل البحث عن المهنية لفريقنا الاستقصائي للوصول إلى الحقيقة، أصبح من نافلة القول التأكيد أن الحياد والحقيقة ليست بالضرورة لكل ما هو دولي، وهو ما يجعلنا نتساءل عن الهدف الحقيقي لتقرير ذا سنتري باتهاماته المتعددة، وسط غياب للسلطات الرسمية سواء في التحقيق في الوقائع ذاتها أو معرفة مصير الأموال الليبية المختفية.
تأسست منظمة “ذا سنتري” عام 2016 بهدف معلن هو ملاحقة التمويل غير المشروع للنزاعات الأفريقية، ورغم محاولة المنظمة التابعة للمثل جورج كلوني، الظهور بمظهر المدقق الاستقصائي الحريص على الحقيقة، فقد خسرت دعوى تشهير بارزة أمام القضاء الأمريكي أقامها رجل الأعمال السوداني وجدي ميرغني محجوب، وأُجبرت المنظمة على سحب تقريرها الذي كان يستهدف محجوب ومجموعته التجارية.
كما أغلق القضاء الفرنسي التحقيقات في مزاعم أخرى نشرتها المنظمة عن تورط فرع لمجموعة كاستل الفرنسية في جمهورية إفريقيا الوسطى في جرائم ضد الإنسانية، وقالت فرنسا بعد تحقيقات استمرت 4 سنوات إن هذه الجرائم لم تثبت بشكل كاف.
ويأتي التقرير الصادر في أبريل 2026 بخصوص رجل الأعمال الليبي ليثير إشكاليات منهجية في تقرير ذا سنتري.
مصادر مجهولة
تستند الادعاءات الجوهرية في التقرير إلى 23 مصدرا وُصفوا جميعا بـ”المجهولين”، رغم أن هذه المصادر هي الأساس الذي يبني عليه التقرير اتهاماته الأثقل: تمويل هجوم طرابلس، تمويل فاغنر، والسيطرة على المصارف، وتوزيع الدنانير المزورة.
ويستند التقرير في كثير من هوامشه إلى تقارير سابقة لـ”ذا سنتري” نفسها، أي أن التقرير يستشهد بنفسه.
الطائرات الإسبانية وانتقاء المزاعم
راجعت فواصل المصادر التي اعتمدت عليها ذا سنتري في تقريرها، لتصل إلى مفارقة في منهجية التقرير، حيث استند التقرير في مزاعمه إلى مصدرين: مسؤول إسباني مجهول، وتقرير نشرته صحيفة “إل إنديبندينتي” الإسبانية، المصدر الأول لا يمكن التأكد منه أو معرفته، وبمراجعة المصدر الثاني تبيّن أن التقرير الصحفي المُستشهد به تم حذفه من موقع الصحيفة.
وبالرجوع إلى نسخته الأرشيفية، اكتشفنا تناقضا داخليا: فبينما تذكر إحدى فقراته شركة “واحة المورد” المرتبطة بأحمد العشيبي، تُصحح فقرة لاحقة في المقال ذاته اسم الشركة المتورطة لتكون “AHM Investment”، وهي كيان مختلف تماما.
واللافت للنظر أن التقرير الأصلي الأقدم للصحيفة (وهو المرجع الذي يستند إليه المقال المحذوف) لا يذكر اسم “واحة المورد” في أي موضع، ويذكر فقط شركة “AHM Investment” بوصفها الكيان المتورط.
أما الشاهد الآخر على تورط جاد الله في هذه القضية، يوسف العبيدي، بحسب ذا سنتري، فإن المراجع التي أوردها التقرير لإثبات صلته بالملف لا تذكر شهادته على جاد الله في أي موضع؛ بل تكتفي بإثبات وجوده في السياق الليبي العام وعلاقته بحفتر.
الأمر ذاته يتكرر في قضية الطائرات الصينية، حيث يدعي التقرير تورط جاد الله في استيراد طائرات مسيّرة صينية مموّهة كتوربينات رياح اعترضتها إيطاليا عام 2024.
الدليل الوحيد على هذا التورط جاء في عبارة واحدة: “إحدى شركات جاد الله المسجلة في دبي دفعت تكاليف النقل البحري”، دون تسمية هذه الشركة، في تقرير لم يتردد في تسمية كل شيء آخر باستثناء مصادره.
أما الأشد دلالة فهو ما أخفاه التقرير في الهامش 295 دون أن يُشير إليه في المتن، وهو أن الصين أبلغت في أكتوبر 2024 رسميا فريق خبراء الأمم المتحدة أن المكونات المضبوطة في إيطاليا كانت “من طراز طائرة مسيرة خارج الخدمة تُستخدم للوقاية من الكوارث والإغاثة، وليست معدات عسكرية”.
من يستفيد من هذه التقارير الآن؟
لا يكفي أن نسأل ماذا تقول التقارير، بل متى صدرت، ولماذا الآن، خاصة وأن ليبيا تعيش منذ سنوات فراغا سياسيا، يجعل من بعض التقارير الدولية سلاحا فعّالا لتصفية الخصوم أو تغيير موازين النفوذ، فبعض الاتهامات حتى لو ظلت غير مُثبَتة، تكفي لعزل أي شخصية سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية وتجميد أصولها.
وفي غياب تحقيق وطني ليبي شفاف يحسم هذا الجدل، تبقى الساحة مفتوحة لمن يملك القدرة على توظيف بعض هذه التقارير في الصراع المحلي، وسط انسداد سياسي متجدد، وصراع نفوذ محتدم بين الشرق والغرب، واستحقاقات انتخابية تلوح في الأفق.