في كواليس مجلس النواب، لا تُختصر الأزمة على بنود الميزانية فقط، بل تتعداها إلى صراع أوسع على النفوذ، والصلاحيات، والتحكم في القرار الاستراتيجي داخل هيئة الرئاسة.
خلافات تكشف حجم التوتر داخل المجلس، حيث بدأت الأصوات ترتفع، ليس فقط بسبب بنود الإنفاق، بل أيضًا حول طبيعة إدارة الجلسات، ودور الرئاسة في اتخاذ قرارات مفصلية دون الرجوع إلى باقي النواب.
مركز الصراع
النائب الثاني، مصباح دومة، برز كأحد أبرز المعارضين لطريقة تسيير هيئة الرئاسة، معتبرًا أن الأمور لا يمكن أن تستمر “في يد واحدة”. دومة، القادم من خلفية اجتماعية وتاريخية ذات وزن، لم يُخفِ امتعاضه من تغييب النواب عن “القرار الاستراتيجي”، مشددًا على أن “القانون واللائحة الداخلية يجب أن تُحترم، إما أن تُطبَّق أو لا مجال للاستمرار”.
تحركات دومة لم تكن معزولة، بل لاقت صدى داخل المجلس، حيث انضم إليه عدد من النواب المتحفزين، وتطور الأمر إلى احتكاك مباشر مع المستشار القانوني، على خلفية أداء أعضاء المحكمة الدستورية اليمين القانونية أمامه، في مشهد وُصف بأنه “استعراضي وصادم” للبعض داخل القاعة.
بوابة التوتر
أما الملف المالي، فلم يكن أقل اشتعالًا. الخلافات بشأن بنود الميزانية، وغياب الشفافية في تفاصيل بعض المصروفات، أثارت موجة من التساؤلات داخل المجلس، بالإضافة إلى تحفظات ناجي عيسى، محافظ مصرف ليبيا المركزي، الذي طالب مجلس النواب بمعرفة تفاصيل كل بند من بنود الميزانية.
وبحسب مصادر، فإن دعوة وُجهت إلى ناجي عيسى لحضور اجتماع مغلق الأسبوع المقبل لمناقشة الملف، إلا أن التوقعات تشير إلى أنه قد لا يحضر.
الصراع الإقليمي
لكن ما يختزل عمق الأزمة حقًا، هو الاتفاقية التركية–الليبية الموقعة في نوفمبر 2019. فالجانب المصري، الذي يُعدّ حليفًا استراتيجيًا لشرق ليبيا، يرفض الاتفاقية، فيما يأمل الغريم السابق والشريك الاقتصادي الواعد، تركيا، في تمرير الاتفاقية عبر البرلمان.
وهنا يقف رئيس المجلس، عقيلة صالح، بين “كفّين متضادين”، تحاصره ضغوط متناقضة؛ بين رغبة مصر في تعطيل المصادقة على الاتفاقية، والخشية من ضياع فرصة اقتصادية وشراكة مع الحليف الجديد.
مشهد معقّد
المحصلة: ليست الميزانية وحدها هي محل الجدل، بل هناك مسارات متشابكة تتصارع داخل القاعة — سلطة القرار، توزيع الصلاحيات، التوازنات الجهوية، والتحالفات الإقليمية. صوت الخلاف يعلو، والأنظار تتجه إلى الجلسة القادمة، التي قد ترسم ملامح فصل جديد… إما من التوافق، أو من الانقسام المفتوح.