على مدى العامين والنصف الماضيين، تطبّق وزارة الخارجية اليونانية خطة دبلوماسية متكاملة ومنهجية تتألف من ثلاثة مستويات متعاقبة.
المستوى الأول: ترسيخ الهدوء في المنطقة
هدف هذا المستوى كان ترسيخ الهدوء في منطقتنا. ففي بيئة دولية معقدة ومتقلبة للغاية، وفي ظل حربين قائمتين في جوارنا القريب، عملت اليونان على إرساء ظروف التعايش السلمي والأمن، من خلال الحد من بؤر التوتر وتسوية ملفات إقليمية مفتوحة وحساسة.
وفي هذا السياق، تطورت علاقة عملية مع تركيا، كما تأكد ذلك بتوقيع إعلان أثينا في ديسمبر 2023، الذي أدى إلى تقليص كبير لانتهاكات المجال الجوي الوطني، وانخفاض كبير في تدفقات الهجرة القادمة من الشرق، وتعزيز واضح للتجارة الثنائية، وتطوير السياحة القادمة من تركيا إلى الجزر اليونانية بفضل آلية منح التأشيرات السريعة التي حصلت عليها وزارة الخارجية من المفوضية الأوروبية.
وبالروح نفسها، وطدت اليونان علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا، رغم وجود مذكرة التفاهم التركية–الليبية غير الموجودة مسبقًا، ورغم انقطاع التواصل سابقًا مع الحكومة المعترف بها دوليًا في غرب ليبيا.
واليوم، تُعد اليونان الدولة الأوروبية الوحيدة التي تحافظ على قنوات مفتوحة مع الطرفين الليبيين، بعد اللقاءات التي جرت في طرابلس وبنغازي مع قيادات الجانبين.
وقد أدى ذلك إلى تقليص كبير في تدفقات الهجرة غير النظامية من ليبيا، واحترام ليبيا لـخط المنتصف البحري عند إعلان مناطق الامتياز للتنقيب، وإعادة تفعيل اللجان الفنية لترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة (EEZ) بين البلدين، بعد أن توقفت دون نتيجة عام 2010.
إنّ الفترة الهادئة التي تلت مرحلة طويلة من الأزمة الاقتصادية الحادة، كانت حاسمة لإعادة إنعاش الاقتصاد، واستعادة القوة الدفاعية، وترسيخ المكانة الدبلوماسية لليونان.
المستوى الثاني: ترسيخ المواقف الوطنية
الهدف من هذا المستوى كان مزدوجًا:
1. بناء تحالفات دولية راسخة.
2. تعزيز الحجج المؤيدة للمواقف الوطنية اليونانية عبر تحركات عملية.
اتخذت اليونان مبادرات غير مسبوقة، مثل:
-التخطيط البحري المكاني الذي يحدد لأول مرة على مستوى الاتحاد الأوروبي الحدود القصوى للجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة.
-إنشاء حدائق بحرية بيئية لحماية السيادة الوطنية من أي طموحات خارجية.
-مشاركة شركات الطاقة الأميركية الكبرى Chevron وExxonMobil في عمليات الاستكشاف والاستخراج جنوب كريت وفي البحر الأيوني، والأخيرة بفضل اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع إيطاليا.
كل هذه الخطوات تعزز حجج اليونان سياسياً وقانونياً، رغم بعض ردود الفعل المتوقعة من الخارج، التي لن تغيّر من المسار الأساسي للبلاد.
المستوى الثالث: استثمار المكانة الدبلوماسية العليا
هذا هو المستوى الحالي، ويهدف إلى استثمار المكانة الدبلوماسية التي حققتها اليونان.
فبعد أن طورت حججًا قوية، وأسست تحالفات واسعة، وتولت مواقع مؤثرة في المنظمات الدولية، حان الوقت لتأخذ اليونان زمام المبادرة بثقة ودون تردد.
وفي هذا السياق، تتبنى اليونان مبادرة إنشاء إطار إقليمي متعدد الأطراف دائم في شرق البحر الأبيض المتوسط — وهي منطقة تتسم بكثرة التوترات والتحديات، لكنها تشكل في الوقت ذاته جسرًا للتواصل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
ملامح المبادرة:
-المشاركون: الدول الأربع في شرق المتوسط التي تشترك اليونان معها بحدود بحرية. ويمكن في المستقبل توسيع المشاركة لدول أخرى ذات مصالح مشتركة.
-الإطار المرجعي: الالتزام الكامل بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول شرط أساسي مسبق.
-الموضوعات المطروحة: تشمل قضايا ذات اهتمام مشترك مثل الحماية المدنية، الهجرة، حماية البيئة البحرية، إضافة إلى قضايا أكثر تعقيدًا مثل ترسيم المناطق البحرية والربط الإقليمي.
-الخطوات القادمة: ستقوم اليونان باستطلاع نوايا الأطراف، وإذا توافرت تفاهمات أولية مشتركة، يمكن إعداد مذكرة تفاهم تمهيدًا لاجتماع أولي لتحديد الأجندة والأولويات.
تُعدّ هذه المبادرة أول خطة منظمة للتعاون بين الدول الساحلية في المنطقة.