في مديح العزلة.. هو عنوان تدوينة كنت نشرتها عبر مدونتي الشخصية (مالاخير)، واستشهدت فيها بجزء من حوار مع الدكتور “مصطفى محمود” (1921-2009م)، والذي لخص فيه سبب عزلته وابتعاده عن الناس، فيقول: (الحياة في نظري؛ أن الإنسان يختلط وينعزل!! لأن عملية الاختلاط هي امتصاص للخبرة والتجربة، والعزلة هي هضم للخبرة والتجربة!!!).
هذه التدوينة نشرت في بداية أبريل الماضي، مع بدايات الحجر الصحي بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). وكنت أحاول أن أخفف بها بعضاً من وطأة العزلة التي تعرض لها الكثير، وغيرت من نمط حياة الكثير، وأجبرتهم على السكون بدل طبيعة الحركة التي جبل عليها الإنسان.
فقد أجبرتنا هذه الجائحة عن التخلي عن حياتنا التي اعتدناها منذ لحظة خروجنا لهذه الدنيا، ومن الطبيعي أن هذا الحدث قد أوجد حالة من الضيق والاكتئاب والفراغ في نفوس كثير من الناس، ففي تدوينة صوتية (بودكاست) للمدون والإعلامي “طارق الميري”، وعلى لسان مجموعة ممن علقوا بسبب هذه الجائحة، أجمع الضيوف على أنهم يعيشون تحت ضغط نفسي كبير، وأن حساب الأيام لم يعد مهماً بعد الأسبوع الثاني، وأنهم يقضون الوقت في تصفح الإنترنت، أو الترحال في الذاكرة.
في قصة (الرهان) للأديب الروسي الكبير أنطون تشيخوف (1860-1904م) في القرن التاسع عشر، تحكي القصة: أن مصرفياً يملك ثروةً طائلةً راهن محامياً بأن يدفع له مليوني روبل إذا استطاعَ أن يَعيش مُنعزلاً في حبس انفرادي خمسة عشر عاماً. وقد سجن المُحامي في غُرفة صغيرة وكان يشعر في أيامه الأولى بالوحدة الشديدة والاكتئاب، لكنه مع مرور الوقت بدأ يلج إلى عالم الكتب ويسبح في بحار العلم، فدرس اللغات والأدب والفيزياء، ثم قرأ الإنجيل وتاريخ الدين والفلسفة، وقرأ روايات شكسبير وبايرون.
ولما اقترب موعد انتهاء المدة وشارف المصرفي على خسارة ثروته، ذهب إلى غرفة السجن فوجد السجين قد غادر عزلته قبل انتهاء المدة بوقت قصير وترك له رسالة كتب فيها: (حين قبلت الرهان كان هدفي الحصول على المال، لكني قبل انقضاء الوقت بقليل قررت الانعتاق من سجني والانطلاق إلى الحياة فقيراً).
ينظر أكثر الناس إلى العزلة بأنها عقوبة ثقيلة على النفس، لكنها في الحقيقة نعمة عظيمة، بل هي ضرورة وجودية.
وهنا قد يقول قائل: إنه ثمة فرق بين العزلة الاختيارية، والعزلة الإجبارية أو المفروضة، كما هو حال الجائحة التي فرضت هذا العزل!!
قد يكون لهذا التعليق وجهة نظر صحيحة، لكن سواء بالاختيار أو الفرض، فإن العزلة موجودة ومتحققة، والسؤال الذي أراه مهماً: كيف يمكن التعامل أو التعايش مع العزلة؟
العزلة هي أن ينسحب الإنسان من الأشياء وأن يبقى مع جوهر ذاته، منعزلاً ذاتًا وروحاً، وتكاد تجمع كل العقائد على فائدة العزلة وأهميتها في الوصول إلى الحقيقة، وقدرتها على اكتشاف النفس والذات البشرية، والتغلب على رغباتها وكبح شهواتها.
فالإنسان في حياة التواصل يظل مشغولاً عن نفسه بما تمليه عليه الحياة من متطلبات، ليضيع بين الواجبات وتلبية الاحتياجات. وهو -أي الإنسان- يخشى مواجهة نفسه لأنه لا يريد الإنصات إلى النداء الداخلي المنبعث من روحه. العزلة تجلي للإنسان ذاته الحقيقية بينما يطمس التواصل والاتصال هذه الذات، والذات الحقيقية وحدها التي تبقى مع الإنسان لأنها جوهره.
هل نحن نعيش عزلة حقيقية؟
في زمن الإنترنت والتواصل يمكن للمرء أن ينعزل جسديا، لكنه لا يغادر ضجيج الحياة ويبقى في دائرة لغو الناس ولهوهم، وهنا أعود لبودكاست “الميري”، إذ يؤكد جميع ضيوف الحلقة، أنهم ما كانوا ليقوموا لولا وجود الإنترنت، كونه يوفر بيئة تواصل جيدة على مستويين: الشخصي والمهني.
فإن كانت العزلة قد تحققت جسدياً بالانعزال عن الحياة الاجتماعية العامة، إلا أن الحياة استمرت من خلال الفضاء الموازي وبفاعلية، عبر شبكة الإنترنت حيث يمكن للفرد أن يعيش الحياة ويدير شؤونه وهو في مكانه، بل إنه يوفر الكثير من الجهد والطاقة، ويحقق الكثير من العوائد المادية، ويعود على البيئة بالفائدة في تقليل الانبعاثات الحرارية والتلوث.
في زمن الإنترنت، والتواصل، حيث تكون المسافة إلى أبعد نقطة على الأرض كبسة زر، أو كتابة كلمة بمحرك البحث؛ فإنه لا يمكننا القول إننا معزولون بقدر ما نحن في حقيقة الأمر متواصلون، وهو ما نجده يتحقق بشكل يومي، فالتواصل من ناحية فكرية وفلسفية صار جوهر الكثير من المسائل التي تهم الإنسان، وفي ظني إن هذه الجائحة التي غزت العالم (كوفيد 19) أثبتت أن مبدأ العزلة الذي عرفه النساك والعارفون والأقدمون بشكل عام، صار صعب التحقق، فالتواصل عبر الشبكة والمنصات أوجد حالة كبيرة من التعاون والتعاضد، وأنتج الكثير من أشكال الإبداع، وحقق مستويات عالية من التعليم والتعلم، فكل ما تريده يمكنك الوصول إليه، والانتقال إليه من مكانك. الأمر أشبه برحلة في الزمن تختار الزمن والوقت الذي تريد وتتجه إليه.
في زمن الإنترنت: أنت حي.. أنت تتواصل!!!