فيما تبدو الصورة على الساحة الليبية وكأنها إجماع على ضرورة الإسراع بالانتخابات، يكشف التحليل العميق للتحركات الأخيرة عن مشهد أكثر تعقيدا تُدار فيه المعركة السياسية على عدة جبهات، فما بين الضغط الشعبي المُوجّه، والخطابات المؤسسية المحدودة، والمبادرات الدولية، تبرز حقيقة الانقسام الحاد الذي لا تزال تعيشه البلاد.
حراك موجه
شهدت المدن الخاضعة لسيطرة خليفة حفتر حراكا شعبيا مطلبيا، ورغم شرعية المطالبة بالانتخابات كونه حقا جماعيا، إلا أن حصر هذه التظاهرات في معاقل حفتر وحده، وترديدها هتافات تمنحه “تفويضًا شعبيًا”، يطرح تساؤلات بشأن مدى عفوية هذا الحراك وجدواه كضغط شعبي حقيقي يمثل كافة الليبيين.
هذا التوقيت لم يكن منفصلا عن الحملة السياسية الممنهجة التي يقودها حفتر، والذي التقى خلال أيام قليلة بمشايخ وأعيان من مناطق متنوعة، بما فيها غربية مثل الزنتان وترهونة، خطابه كان موحدا.. الدعوة إلى “حراك سلمي” تحميه قواته، هذه الاستراتيجية تبدو محاولة واضحة لاختراق المناطق الغربية وبناء شرعية شعبية موازية لشرعية المؤسسات في الغرب، وإعداد الرأي العام لخطوات سياسية أو حتى عسكرية محتملة تحت شعار “إرادة الشارع”.
انتخابات بوجهة واحدة
انطلاقا من مدينة بنغازي، وجّه كل من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ونائبه مصباح دومة نداءات عاجلة للمفوضية بإجراء الانتخابات، تحمل هذه الدعوات وزنا تشريعيا نظريا، لكنها تفقد جزءا من حياديتها نظرا لأن كلا الرجلين يعملان ضمن المنظومة السياسية والعسكرية الخاضعة لحفتر، وهذا يطرح إشكالية أساسية.. هل تمثل هذه الدعوة إرادة مؤسسة مستقلة، أم أنها جزء من استراتيجية الضغط المنسقة ذاتيا لفرض رؤية سياسية أحادية الجانب؟
ترحيب حذر
من جهة طرابلس، جاء رد فعل مستشار رئيس المجلس الرئاسي، زياد دغيم، متوازنا وتحليليا. فبينما رحب بحق التعبير، فإن تحليله لبيان صالح كشف عن قراءة أعمق. إشارة دغيم إلى “التراجع عن شرط الحكومة الموحدة” و”فك الالتزام بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية” ليست مجرد نقاط تقنية، بل هي مؤشر على المرونة التي يبديها طرف طرابلس، ربما بحثا عن مخرج من المأزق السياسي. كما أن اقتراحه بتأمين الانتخابات عبر لجنة 5+5 والأجهزة الأمنية المنقسمة أساسا، يسلط الضوء على العقبة الأمنية الكبرى التي قد تُفشل أي عملية انتخابية قبل بدايتها.
كسب الرأي العام
في تطور موازٍ بالغ الأهمية، يتصاعد الحديث حول “برنامج التنمية الموحد” الذي أعلن عنه المصرف المركزي وتم الاتفاق عليه بين مجلسي النواب والدولة برعاية أمريكية. هذه الخطوة، التي حظيت بترحيب مؤسسات دولية، تحمل بعدا سياسيا لا يقل أهمية عن بعده الاقتصادي. فبينما يراه البعض محاولة جادة لتحسين الخدمات والمعيشة كشرط مسبق لأي استقرار سياسي، يرى فيه محللون آخرون أداة ضغط جديدة في الصراع.
فمن يسيطر على تنفيذ هذا البرنامج ويفرض أولوياته، سيكسب رصيدا شعبيا هائلا قد يقلب موازين القوى قبيل أي انتخابات، والغموض الذي يحيط بتفاصيل البرنامج وآليات محاسبته يغذي شكوكا مشروعة بشأن إمكانية تحوله إلى أداة للمحاصصة السياسية أو لتمويل تحالفات بعينها، بدلا من أن يكون جسرا حقيقيا نحو المصالحة.
في مهب الانقسام
الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن الطريق إلى الانتخابات في ليبيا ما زال محفوفا بمخاطر الانقسام الحاد، فالمشهد الحالي لا يعكس حوارا وطنيا شاملا، بل هو صراع موازين قوى تُستخدم فيه كل الأدوات (الشارع المُوجه، الخطاب المؤسسي ذو النفوذ المحدود، ومشاريع التنمية ذات الأجندة الخفية).
جميع الأطراف تتحدث باسم الشعب وتدّعي السعي لتحقيق إرادته، ولكن في ظل انعدام الثقة وتباين المرجعيات العسكرية والأمنية، تتحول الانتخابات من حل إلى ساحة جديدة للصراع.
السؤال الأصعب ليس عن موعد الانتخابات، بل هو: هل يمكن بناء ثقة وطنية وإطار مؤسسي وأمني محايد يضمن أن تكون الانتخابات لحظة وحدة وليس لحظة انفصال نهائي؟