ليس من اليسير استشراف مستقبل الأزمات في منطقة تعجّ بالاضطرابات البنيوية مثل شمال إفريقيا، الممتدة من ليبيا إلى تشاد والسودان ومالي والنيجر. ومع ذلك، فإن قراءةً واعيةً لحركة الأحداث، وما تتيحه من معطيات، تظل قادرة على تقديم تقدير أوّلي لمسارات العام الجديد. وهذا ما تبتغيه هذه القراءة في لحظة انتقال بين عام راحل وعام مقبل مثقل بالتحولات والقلق.
أزمة السودان
منذ اندلاع الصراع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، دخل السودان أخطر مرحلة في تاريخه الحديث، مخلفًا أكبر أزمة إنسانية في إفريقيا.
نجح الجيش أواخر 2024 في استعادة مدينة ود مدني، مما فتح له الطريق نحو استعادة الخرطوم بحلول مارس 2025. وفي المقابل، أعاد الدعم السريع تنظيم صفوفه وسيطر في أكتوبر الماضي على مدينة الفاشر، بما لها من رمزية ودلالات عميقة.
يصعب التنبؤ بمسار الحرب خلال 2026، لكن المؤكد أن أمدها ما يزال طويلًا، وأن حسمها العسكري غير ممكن لأي طرف. كما يفقد الدعم السريع أي شرعية أو اعتراف دولي، ولا يمثل “تحالف تأسيس” الذي أنشأه إطارا قانونيا يمكن البناء عليه. وبذلك تبقى العودة إلى منبر جدة والرباعية هي الطريق الواقعي لإنقاذ السودان من انقسام مفتوح على احتمالات خطيرة.
تشاد… استقرار نسبي
شهدت تشاد في أبريل 2021 واحدا من أكثر السيناريوهات حساسية بمقتل الرئيس إدريس ديبي في معركة ضد معارضيه، قبل أن يتولى ابنه محمد إدريس ديبي السلطة. وعلى مدى خمس سنوات تقريبا، نجح في عبور محطات سياسية وأمنية صعبة، وفرض قدرا من الاستقرار.
ومع ذلك، يظل النظام التشادي في مواجهة تهديدات حقيقية من حركتي FACT وCCMSR، اللتين تحملان أبعادا عرقية وجغرافية يمكن استثمارها إقليميا لإسقاط النظام. ويبقى الحوار والاحتواء السياسي الطريق الأجدر لمعالجة مطالب هذه المجموعات، التي تبقى جزءا من النسيج الوطني التشادي.
انقلاب بلا مخرج
سقطت تجربة التناوب الديمقراطي في النيجر بعد انقلاب يوليو 2023، ومع مرور عامين ونصف تتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وتتحول نيامي إلى مدينة محاصرة بالمخاطر. ورغم الضغوط، لم يستقل الرئيس المنتخب محمد بازوم، محافظًا على موقفه “المبدئي”.
ورغم الوعود، لم ينجح قادة الانقلاب في فتح مسار ديمقراطي حقيقي، ما يجعل البلاد مقبلة على أحد خيارين: انتفاضة شعبية أو انقلاب جديد، ما لم تحدث مفاجآت غير متوقعة.
غموض لا ينقشع
تتحرك الأزمة الليبية بثلاثة مسارات كبرى متنافسة منذ أشهر:
1.بقاء الوضع كما هو مع تطوير تفاهمات النفط والملف المالي.
2.تعديل وزاري شامل برئاسة عبدالحميد الدبيبة بالتفاهم مع الجناح الشرقي.
3.تسوية سياسية شاملة تقودها الأمم المتحدة.
ويتقدم أحد هذه السيناريوهات ثم يتراجع الآخر دون حسم. ورغم توقعات 2023 بزوال حكومة الوحدة، فإن الدبيبة استمر بدعم حسابات إقليمية ودولية معقدة، وبتوقيته الناجح في تنفيذ تفاهم النفط منتصف 2022، ثم بتداعيات حرب أوكرانيا وإعصار دانيال وأزمة غزة، التي أبعدت الأنظار عن الملف الليبي.
ورغم الأخطاء الكثيرة، اتخذ الدبيبة خطوات تنموية مهمة في الكهرباء والطاقة والبنية التحتية، واستفاد من عدم ارتباطه بصراعات 2012–2020، ومن الظهير السياسي لمدينته مصراتة.
ومع ذلك، ما يزال بحاجة إلى إعادة إنتاج فريقه ومستشاريه، وتخفيف الأوزان التي تضر بصورته، والابتعاد عن الواجهات الرمزية المثيرة للجدل، إذا أراد الاستمرار في لعب دور مؤثر خلال 2026.
في المحصلة، تبدو أزمات المنطقة مترابطة، يتفاعل بعضها مع بعض بصورة تجعل أي تطور في دولة قادرا على تغيير المشهد في جارتها. وتظل الحاجة ملحّة إلى مبادرات إقليمية جادة، وإلى قراءة واقعية بعيدًا عن المبالغة في التفاؤل أو الاستسلام للتشاؤم.
نسأل الله أن يحمل العام 2026 بارقة أمل في الأمن والاستقرار لدول المنطقة وشعوبها.